الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤١
مثلا: إِنَّ تصديق كلّ القضايا النظرية يجب أَنْ ينتهي إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين و ارتفاعهما، بحيث لو ارتفع التصديق بها لَمَا أَمكن التصديق بشيء من القضايا، و لذا تسمى بـ «أمّ القضايا» و ذلك كاليقين بأَنَّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فإِنَّه لا يحصل إلاَّ إذا حصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضية، أي عدم مساواتها لهما. و إلاَّ فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة. و لأجل ذلك اتفقت كلمة الحكماء على أن إقامة البرهان على المسائل النظرية إنما تتم إذا انتهى البرهان إلى أمّ القضايا التي قد عرفت.
و على ضوء هذا البيان نقول: كما أَنَّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوليّة تنتهي إليها، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي، يجب أَنْ تنتهي إلى قضايا أولية و واضحة عنده بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صح التصديق بقضية من القضايا فيها.
فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي، مسألة التحسين و التقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا بوضوح، مثل قولنا «العدل حسن» و «الظلم قبيح» و «جزاء الإِحسان بالإِحسان حسن» و «جزاؤه بالإِساءة قبيح».
فهذه القضايا قضايا أوليّة في الحكمة العملية و العقل العملي يدركها من صميم ذاته و من ملاحظة القضايا بنفسها. و في ضوء التصديق بها يسهل عليه التصديق بما يبنى عليها في مجال العقل العملي من الأحكام غير البديهية، سواء أكانت مربوطة بالأخلاق أولا، أم تدبير المنزل ثانياً، أَم سياسة المدن ثالثاً، التي يبحث عنها في الحكمة العملية.
و لنمثل على ذلك: إِنَّ العالِمِ الأَخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلِمين و أولي النعمة، و ذلك لأَنَّ التكريم من شؤون جزاء الإحسان