الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٩
٣ـ إِنَّ الظاهر من أهل الحديث هو قدم القرآن «المقروء» و هو أمر تنكره البداهة و العقل و نفس القرآن. و قد صارت تلك العقيدة بمنزلة من البطلان حتى تحامل عليها الشيخ محمد عبده إذْ قال: «والقائل بقدم القرآن المقروء أشنع حالا و أضل اعتقاداً من كل ملة جاء القرآن نفسه بتضليلها و الدعوة إلى مخالفتها»[١].
و لما رأى ابن تيميّة، الذي نصب نفسه مروجاً لعقيدة أهل الحديث، أنَّها عقيدة تافهة صرح بحدوث القرآن المقروء و حدوث قوله (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)[٢]. و (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)[٣]. و قوله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَـدِلُكَ فِي زَوْجِهَا)[٤]... إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حدوث النداء والسمع من حينه لا من الأزل[٥].
والعجب أَنَّه يستدل بدليل المعتزلة على حدوث القرآن المقروء، و يقول إِنَّ ترتيب حروف الكلمات و الجمل يستلزم الحدوث، لأنَّ تحقق كلمة «بسم الله» يتوقف على حدوث الباء و انعدامها ثم حدوث السين كذلك إلى آخر الكلمة. فالحدوث والإِنعدام ذاتي لمفردات الحروف لا ينفك عنها، و إلا لما أمكن أَنْ توجد كلمة، فإذن كيف يمكن أنْ يكون مثل هذا قديماً أزلياً مع الله تعالى؟.
٤ـ لما كانت فكرة عدم خلق القرآن أو القول بقدمه شعار أهل الحديث و سِمَتهم و من جانب آخر كان القول بقدم القرآن المقروء والملفوظ شيئاً لا يقبله العقل السليم، جاء الأشاعرة بنظرية جديدة أصلحوا بها القول
[١] رسالة التوحيد، الطبعة الأولى. و قد حُذف نحو صفحة من الرسالة في الطبعات اللاحقة، لاحظ ص ٤٩ من طبعة مكتبة الثقافة العربية.
[٢] سورة المزمل: الآية ١.
[٣] سورة المدثر: الآية ١.
[٤] سورة المجادلة: الآية ١.
[٥] مجموعة الرسائل الكبرى، ج ٣، ص ٩٧.