الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٦
و بقيت في طي الكتمان إلى زمن المأمون. و مع أنَّ أهل الحديث يلتزمون بعدم التفوه بشيء لم يرد فيه نص عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أَو عهد من الصحابة، إلاّ أَنَّهم خالفوا مبدأهم في هذه المسألة، إلى أَنِ انجرّ بهم الأَمر إِلى إِعلانها على رؤوس الأَشهاد و صَهَوات المنابر. و السبق في ذلك بينهم يرجع إلى أحمد بن حنبل و مواقفه. فقد أَخذ يروج لفكرة عدم خلق القرآن أو قِدَمه، و يدافع عنها بحماس، متحملا في سبيلها من المشاق ما هو مسطور في زُبُر التاريخ. و قد عرفت امتناعه عن الإِقرار بخلق القرآن عند استجواب الفقهاء فسُجن و عُذّب و جُلِد بالسياط، و رغم كل ذلك لم يُر منه إلاّ الثبات و الصمود، و كان هذا هو أَبرز العوامل التي أَدّت إلى اشتهاره و طيران صِيته في البلاد الإِسلامية فيما بعد. و قد سجل التاريخ جملة من المناظرات التي جرت بينه و بين المفكرين من المتكلمين.
و لأَجل إيضاح الحال في المقام نأتي بما جاء به أَحمد بن حنبل و أبو الحسن الأشعري في هذا المجال.
قال أحمد بن حنبل: «والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أَنَّ القرآن مخلوق فهو جَهْمِيّ كافر، و من زعم أَنَّ القرآن كلام الله عزَّ وجل و وقف ولم يقل مخلوق و لا غير مخلوق، فهو أَخبث من الأول. و من زعم أَنَّ أَلفاظنا بالقرآن و تلاوتنا له مخلوقة، و القرآن كلام الله، فهو جَهْميّ. و من لم يُكَفِّر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم.
و كلّم الله موسى تكليماً، من الله سمع موسى يقيناً، و ناوله التوراة من يده، و لم يزل الله متكلماً عالماً، تبارك الله أحسن الخالقين»[١].
و قال أبو الحسن الأشعري: «نقول إِنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق و إِنَّ من قال بخلْق القرآن فهو كافر»[٢].
[١] كتاب السنة، لأحمد بن حنبل، ص ٤٩.
[٢] الإِبانة، ص ٢١، و لاحظ مقالات الإِسلاميين، ص ٣٢١.