الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٤
بالفاعل أبداً لا صدورياً و لا حُلوليّاً بل يكفي نوع ملابسة بالمبدأ، كالتَّمار و اللبّان لبائع التمر و اللبن. و أما عدم إطلاق الذائق على خالق الذوق فلأجل أنَّ صِدْق المشتقات بإحدى أنواع القيام ليست قياسية حتى يطلق عليه سبحانه الذائق و الشامّ بسبب إيجاده الذوق و الشم. و ربما احترز الإِلهيون عن توصيفه بهما لأجل الإِبتعاد عمّا يوهم التجسيم و لوازمه.
الخامس - إِنَّ لفظ الكلام كما يطلق على الكلام اللفظي، يطلق على الموجود في النفس. قال سبحانه: (وَ أَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)[١].
يلاحظ عليه: إِنَّ إطلاق «القول» على الموجود في الضمير من باب العناية و المشاكلة. فإنَّ «القول» من التقوّل باللسان فلا يطلق على الموجود في الذهن الذي لا واقعية له إلاَّ الصورة العلميَّة إلاّ من باب العناية.
حصيلة البحث
إِنَّ الأشاعرة زعموا أنَّ في ذهن المتكلم في الجملة الخبرية و الإِنشائية وراء التصورات و التصديقات في الأولى، ووراء الإِرادة في الثانية شيئاً يسمونه «الكلام النفسي»، و ربما خصوا لفظ «الطلب» بالكلام النفسي في القسم الإِنشائي. و بذلك صححوا كونه سبحانه متكلماً، ككونه عالماً و قادراً و أنَّ الكُلّ من الصفات الذاتية.
و لكنَّ البحث و التحليل - كما مرّ عليك - أوقَفَنا على خلاف ما ذهبوا إليه، لِما عرفت من أنه ليس وراء العلم في الجُمَل الخبرية، و لا وراء الإِرادة و الكراهة في الجمل الإِنشائية شيء نسميه كلاماً نفسيّاً، كما عرفت أنَّ الطلب أيضاً هو نفس الإِرادة. و لو أرادوا بالكلام النفسي معنى الكلام اللفظي أو صورته العلمية التي تنطبق على لفظه، يرجع لبه إلى العلم و لا
[١] سورة الملك: الآية ١٣.