الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠١
فعل الغير من أفعال الآمر الإِختيارية، فلا محيص من القول بأن إرادة الآمر متعلقة بفعل نفسه و هو الأمر و النهي، و إن شئت قلت إنشاء البعث إلى الفعل أو الزجر عنه، و كلاهما واقع في إطار اختيار الآمر و يعدان من أفعاله الإِختيارية.
نعم، الغاية من البعث و الزجر هو انبعاث المأمور إلى ما بُعث إليه، أو انتهاؤه عمّا زُجر عنه لعلم المكلِّف بأنَّ في التخلف مضاعفات دنيوية أو أُخروية.
و على ذلك يكون تعلق إرادة الآمر في الأوامر الجدّية و الإِختبارية على وزان و هو تعلق إرادته ببعث المأمور و زجره، لا فعل المأمور و لا انزجاره فإنه غاية للآمر لا مراد له. فالقائل خلط بين متعلَّق الإِرادة، و ما هو غاية الأمر و النهي.
و ربما يبدو في الذهن أن يُعترض على ما ذكرنا بأنَّ الآمر إذا كان إنساناً لا تتعلق إرادته بفعل الغير لخروجه عن اختياره و أما الواجب سبحانه فهو آمر قاهر، إرادته نافذة في كل شيء، (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَـنِ عَبْدًا)[١].
ولكنَّ الإِجابة عن هذا الإِعتراض واضحة، فإنَّ المقصود من الإِرادة هنا هو الإِرادة التشريعية لا الإِرادة التكوينية القاهرة على العباد المُخرجة لهم عن وصف الإِختيار الجاعلة لهم كآلة بلا إرادة، فهي خارجة عن مورد البحث.
قال سبحانه: (وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الاَْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً)[٢].
فهذه الآية تعرب عن عدم تعلق مشيئته سبحانه بإيمان من في الأرض، ولكن من جانب آخر تعلقت مشيئته بإيمان كل مكلف واع. قال سبحانه: (وَ اللَّهُ
[١] سورة مريم: الآية ٩٣.
[٢] سورة يونس: الآية ٩٩.