الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٩
الإِذعان بالنسبة، فيرجع الكلام النفسي إلى التصورات و التصديقات، فأي شيء هنا وراء العلم حتى نسمّيه بالكلام النفسي. كما أنَّه عندما يرتب المتكلم المعاني الإِنشائية، فلا يرتب إلا إرادته و كراهته أو ما يكون مقدمة لهما، كتصور الشيء و التصديق بالفائدة. فيرجع الكلام النفسي في الإِنشاء إلى الإِرادة و الكراهة، فأي شيء هنا غيرهما و غير التصوّر حتى نسميه بالكلام النفسي. و عند ذلك لا يكون التكلم و صفاً وراء العلم في الإِخبار ووراءه مع الإِرادة في الإِنشاء. مع أنَّ الأشاعرة يصرّون على إثبات وصف للمتكلم وراء العلم و الإِرادة، و لأجل ذلك يقولون: كونه متكلماً بالذات، غير كونه عالماً و مريداً بالذات. و الأوْلى أن نستعرض ما استدلوا به على أنَّ الكلام النفسي شيء وراء العلم. و هذا بيانه:
الأول: إنَّ الكلام النفسي غير العلم لأن الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه، فالإِخبار عن الشيء غير العلم به. قال السيد الشريف في شرح المواقف: «والكلام النفسي في الإِخبار معنى قائم بالنفس لا يتغير بتغير العبارات و هو غير العلم إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه، بل يعلم خلافه، أو يشكّ فيه»[١].
يلاحظ عليه: إنَّ المراد من رجوع كل ما في الذهن في ظرف الإِخبار إلى العلم، هو الرجوع إلى العلم الجامع بين التصور و التصديق. فالمخبر الشاك أو العالم بالخلاف يتصور الموضوع و المحمول و النسبة الحُكميّة ثم يخبر. فما في ذهنه من هذه التصورات الثلاثة لا يخرج عن إطار العلم، و هو التصور. نعم ليس في ذهنه الشق الآخر من العلم و هو التصديق. و منشأ الإِشتباه تفسير العلم بالتصديق فزعموا أنَّه غيرموجود عند الإِخبار في ذهن المُخبر الشاك أو العالِم بالخلاف، و الغفلةُ عن أنَّ عدم وجود العلم بمعنى التصديق لا يدُلّ على عدم وجود القسم الآخر من العلم و هو التصوّر.
[١] شرح المواقف، ج ٢، ص ٩٤.