الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٠
أو قديماً ثانياً، مما أثاره النصارى الذين كانوا في حاشية البيت الأموي و على رأسهم يوحنا الدمشقي الذي كان يشكّك المسلمين في دينهم. فبما أن القرآن نصّ على أنَّ عيسى بن مريم كلمة الله ألقاها إلى مريم، صار ذلك وسيلة لأن يبث هذا الرجل بين المسلمين قِدَم كلمة الله عن طريق خاص، و هو أنه كان يسألهم: أكلمة الله قديمة أو لا؟.
فإنْ قالوا: قديمة.
قال: ثبت دعوى النصارى بأنَّ عيسى قديم.
و إن قالوا: لا.
قال: زعمتم أنَّ كلامه مخلوق.
فلأجل ذلك قامت المعتزلة لحسم مادة النزاع، فقالوا: إِنَّ القرآن حادث لا قديم، مخلوق لله سبحانه.
ولمَّا لم تكن هذه المسألة مطروحة في العصور السابقة بين المسلمين تشعبت فيها الآراء و تضاربت الأقوال، حتى لقد صدرت بعض النظريات الموهونة جداً كما سيأتي. لكن نظرية المعتزلة لاقت القبول في عصر الخليفة المأمون إلى عصر المتوكل، إلاّ أنَّ الأمر انقلب من عصر المتوكل إلى زمن انقضاء المعتزلة لصالح أهل الحديث و الحنابلة.
و في الفترتين وقعت حوادث مؤسفة و أريقت دماء بريئة، شغلت بال المسلمين عن التفكر فيما يهمهم من أمر الدّين و الدّنيا، و كم لهذه المسألة من نظير في تاريخ المسلمين!!.
و قبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:
الأول - إِنَّ وصف الكلام عند الأشاعرة و الكلابيّة - الذين أثبتوا لله كلاماً قديماً - من صفات الذات، بخلاف المعتزلة و الإِمامية فهو عندهم من صفات فعله و سيوافيك الحق في ذلك. و قد حدث ذلك الاختلاف من ملاحظة قياسين متعارضين، فالأشاعرة تبعوا القياس التالي: