الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٨٠
وها هنا نكتة نعلقها على هذا البحث بعد التنبيه على أمر و هو أنَّ الزمان كمٌّ مُتّصل يُنتزع من حَرَكة الشيء و تغيّره من حال إلى حال و من مكان إلى مكان و من صورة نوعية إلى أخرى، فمقدار الحركة عبارة عن الزمان، و لولا المادة و حركتها لما كان للزمان مفهومٌ حقيقيٌ بل مفهوم وهمي.
هذا ما أثبتته الأبحاث العميقة في الزمان و الحركة. و قد كان القدماء يزعمون أنَّ الزمان يتولد من حركة الأفلاك و النيّرين و غير ذلك من الكواكب السيارة، ولكن الحقيقة أَنَّ كل حركة حليفة الزمان وراسمته و مولدته.
و بعبارة ادقّ: إِنَّ التبدّلات عنصرية كانت أو أثيرية، مشتملة على أمرين: الأول، حالة الانتقال من المبداً إلى المنتهى، سواء أكان الإِنتقال في الوصف أم في الذات. الثاني، كَوْن ذلك الانتقال على وجه التدريج و السيلان لا على نحو دَفْعي.
فباعتبار الأمر الأول تُوصف بالحركة، و باعتبار الثاني تُوصف بالزمان.
فكأنَّ شيئاً واحداً باسم التغير و التبدل و الإِنتقال، يكون مبدءً لانتزاع مفهومين منه، لكن كل باعتبار خاص، هذا من جانب.
و من جانب آخر، إِنَّ المادة تتحقق على نحو التدريج و التجزئة و لا يصح وقوعها بنحو جمعي، لأن حقيقتها حقيقة سيّالة متدرجة أشبه بسيلان الماء، فكل ظاهرة ماديّة تتحقق تلو سبب خاص، و ما هذا حاله يستحيل عليه التحققق الجمعي أو تقدم جزء منه أو تأخره بل لا مناص عن تحقُّق كل جزء في ظرفه و موطنه، و بهذا الاعتبار تشبه الأرقام و الأعداد، فالعدد «خمسة» ليس له موطن إلاّ الوقوع بين «الأربعة و الستة». و تقدمه على موطنه كتأخره عنه مستحيل. و على ذلك فالأسباب و المسببات المترتبة بنظام خاص يستحيل عليها خروج أي جز من أجزائها عن موطنه و محله.
إذا عرفت هذا الأمر نرجع إلى بيان النكتة و هي: ماذا يريد القائل من قوله لو كانت الإِرادة صفة ذاتية لله سبحانه يلزم قدم العالم؟. فإن أراد أنَّه يلزم تحقق العالم في زمان قبله وفي فترة ماضية، فهذا ساقط بحكم المطلب الأول، لأنَّ المفروض أنَّه لازمان قبل عالم المادة لما عرفت من أنَّ حركة