الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٩
فاعلا عن إرادة لا عن اضطرار و إيجاب، فلا يجوز سلبه عن الله سبحانه. و أنَّ منشأ الاشتباه هو الخلط بين الإِرادة البسيطة في مقام الذات، الّتي لا تتعدد ولا تتثنى، وبين الإرادة العددية المتحققة في مقام الفعل التي تتعدد و تتثنى ويرد عليها النفي و الإِثبات.
قال: «فرق بين الإِرادة التفصيليّة العددية التي يقع تعلّقها بجُزْئِيٍّ من أعداد طبيعة واحدة أو بكل واحد من طَرَفَيْ المقدور كما في القادرين من الحيوانات، و بين الإِرادة البسيطة الحقّة الإِلهية التي يَكِلّ عن إدراكها عقول أكثر الحكماء فضلا عن غيرهم»[١].
٢ـ لو كانت الإِرادة نفس ذاته سبحانه لزم قدم العالم، لأَنَّها متحدة مع الذات، و الذات موصوفة بها، و هي لا تنفك عن المراد.
يلاحظ عليه: أولا - إنَّ الإِشكال لا يختص بمن جعل الإِرادة بمعناها الحقيقي وصفاً لذاته سبحانه، بل الإِشكال يتوجه أيضاً على من فسّر إرادته بالعلم بالأصلح لاستناد وجود الأشياء إلى العلم بالنظام الأتمّ الذي هو عَيْن ذاته، و استحالة انفكاك المعلول عن العلّة أمر بَيِّن من غير فرق بين تَسْمِيَة هذا العلم إرادة أو غيرها، فلو كان النظام الأصلح معلولا لعلمه، والمفروض أنَّ علمه قديم، للزم قدم النظام لقدم علّته.
و ثانياً - إذا قلنا بأنَّ إرادته سبحانه عبارة عن كونه مختاراً غير ملزم بواحد من الطرفين، لا يلزم عندئذ قِدَم العالم إذا اختار إيجاد العالم متأخراً عن ذاته.
و ثالثاً - إِنَّ لصدر المتألهين و من حذا حذوه من الاعتقاد بالإِرادة الذاتية البسيطة المجهولة الكُنْه، أنْ يجيب بأنَّ جهْلَنا بحقيقة هذه الإِرادة و كيفيّة إعمالها يصُدّنا عن البحث عن كيفية صدور فعله عنه و أنَّه لماذا خلق حادثاً و لم يخلق قديماً.
[١] الاسفار، ج ٦، ص ٣٢٤.