الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٩
مناقشة هذه النظرية
لا شك أَنَّه سبحانه عالم بذاته و عالم بالنظام الأَكمل و الأَتَمّ و الأَصلح ولكن تفسير الإِرادة به، يرجع إلى إِنكار حقيقة الإِرادة فيه سبحانه. فإِنكارها في مرتبة الذات مساوق لإِنكار كمال فيه، إذ لا ريب أَنَّ الفاعل المريد أَكمل من الفاعل غير المريد، فلو فسّرنا إِرادته سبحانه بعلمه بالنظام، فقد نفينا ذلك الكمال عنه و عرَّفناه فاعلا يشبه الفاعل المضطر في فعله. و بذلك يظهر النظر فيما أفاده المحقق الطوسي حيث تصورَّ أَنَّ القدرة و العلم شيء واحد بذاته مختلفان بالإِعتبارات العقلية. و لأَجل عدم صحة هذا التفسير نرى أَنَّ ائمة أَهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ينكرون تفسيرها بالعلم. قال بُكَيْر بن أعْيَن: قلت لأبي عبدالله الصادق ـ عليه السَّلام ـ : علمه و مشيئته مختلفان أَو متّفقان؟
فقال ـ عليه السَّلام ـ : «العلم ليس هو المشيئة، ألاترى أَنك تقول سأفعل كذا إنْ شاءَ الله، و لا تقول سأفعل كذا إِنْ عَلِمَ الله»[١].
و إنْ شئت قلت: إِنَّ الإِرادة صفة مخصِّصة لأحد المقدوريْن أَي الفعل و الترك، و هي مغايرة للعلم و القدرة. أمّا القدرة، فخاصيّتُها صحة الإِيجاد و اللاإيجاد، و ذلك بالنسبة إلى جميع الأَوقات و إلى طرفي الفعل و التَّرك على السواء، فلا تكون نفسُ الإِرادة التي من شأنها تخصيص أَحد الطرفين و إِخراج القدرة عن كونها متساوية بالنسبة إلى الطرفين.
و أَما العلم فهو من المبادئ البعيدة للإِرادة، و الإِرادة من المبادئ القريبة إلى الفعل، فلا معنى لعدِّهما شيئاً واحداً.
نعم، كون علمه بالمصالح و المفاسد مخصصاً لأَحد الطرفين، و إِنْ كان أَمراً معقولا، لكن لا يصح تسميتُه إِرادةً و إِن اشترك مع الإِرادة في
[١] الكافي، ج ١، ص ١٠٩، باب الإِرادة.