الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦
الكون فإِنَّ إصرارهم على كشف النظم فرع الإِيمان بوجودها فيها، و لا يحصل الإِيمان و الإِذعان إِلاّ لمن اعتقد خضوع العالم لقوة كبرى عالمة قادرة، أَجرت فيها السنن. و إِلاّ فالإِعتقاد بأَزلية المادة و كون السنن الحكيمة وليدة التصادف لا يوجب أَي إِذعان بوجود النظم في جميع أَجزاء العالم، قريبها و نائيها.
و بعبارة أَوضح: إِنَّ كل مستكشف قبل الشروع في الإِستكشاف ذو عقيدة خاصة، و هي أنَّ كل ذرة من ذرات هذا العالم حيّها و ميتها، قريبها و بعيدها، مشتملة على قانون يريد هو أَنْ يستكشفه و يفرغه في قالب العِلْم، فعندئذ نسأل من أَين حصل لهذا المكتشف هذا الإِذعان و الإِعتقاد. لا بد أَنْ يكون لهذا العلم مبدأ و مصدرٌ، فما هذا المنشأ؟
فإِنّ قال: «إِني أَعتقد بأَنَّ مجموع العالم إِبداع قوة كبرى ذات علم و قدرة هائلين أَوجدت العالم بعلمها و قدرتها و حكمتها»، لصح له أَنْ يعتقد بأَنَّ كل جزء من أَجزاء هذا العالم ذو نظام، لأَنَّ فعل العالم القادر الحكيم لا ينفك عن النظم و لا يوجد فيه اختلال و لا اضطراب.
و إِنْ قال: «إِني أَعتقد بأَزلية المادة و أنَّ المادة الصماء صارت ذات نظام في ظل الصدفة طيلة الأَزمنة المتمادية»، فيقال له: إِنَّ الإِعتقاد بالصدفة لا يلازم الإِذعان بالنظام مائة بالمائة بل يحتمل أَنْ يوجد هناك نظام كما يحتمل أَنْ لا يوجد.
فتفسير الإِذعان بوجود النظام مائة بالمائة عن طريق الإِعتقاد بالصدفة باطل جداً لأَنه من قبل تفسير العلم القطعي، بشيء لا يوجد العلم بل يوجد الإِحتمال، لأَن الإِعتقاد بالصدفة مبداً لاحتمال وجود النظام لا الإِذعان بوجوده، فلابد لهذا الإِذعان من علَّة أُخرى غير الصدفة، و ليس هي إِلاّ