الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٥٠
د - عدم قدرته تعالى على عين مقدور العبد
ذهب الجُبَّائيّان إلى عدم سعة قدرته سبحانه، كما ذهب من تقدم، ولكن بتفصيل آخر، و هو أَنَّه تعالى لا يقدر على عَيْن مقدور العبد، و إِلاّ لزم اجتماع النقيضين إذا أراده الله و كرهه العبد، أَوْ بالعكس.
بيان الملازمة: إنَّ المَقدور من شأنه الوقوع عند داعي القادر عليه، و البقاء على العدم عند وجود صارفه. فلو كان مقدورٌ واحدٌ واقعاً من قادرين، و فرضنا وجود داع لأَحدهما ووجود صارف للآخر في وقت واحد، لزم أنْ يوجد بالنظر إلى الدّاعي و أنْ يبقى على العدم بالنظر إلى الصارف، فيكون موجوداً غير موجود، و هما متناقضان.
والجواب: أولا - إنَّ الإِمتناع لا يختص بالصورة التي ذكرها الجُبَّائيّان أعني التي تَعَلَّق فيها داعي أَحدهما بالفعل و صارف الآخر بعدمه، بل يجري الإِمتناع فيما إذا تعلقت إرادة كل منهما بإيجاد نفس المقدور و عينه، فإِنَّ لازم ذلك اجتماع علَّتين تامَّتين على معلول واحد.
ثانياً - إنَّ عدم قدرته سبحانه على عين فعل العبد، لأَجل أَنَّها إِنَّما تتعلق بالممكن بما هو مُمْكن فإذا صار ممتنعاً و محالا، فلا تتعلق به القدرة. و عدم تعلُّقِها بالممتنع لا يدل على عدم سعتها. و ما فرضه الجبّائيّان من الصور، أو ما أَضفناه إليها لا يثبت أَكثر من أَنَّ صدور الفعل في تلك الظروف محال لاستلزامه اجتماع النقيضين - في فرض الجبّائيان - أو اجتماع العلَّتين التامتين على معلول واحد كما في فَرْضِنا. و ما هو محالٌ خارجٌ عن إِطار القدرة و لا يطلق عليه عدم القدرة.
و ثالثاً - ماذا يريدان من قولهما «عين مقدور العبد»؟ هل يريدان منه الشيء قبل وجوده، أو بعده؟ فإِذا أراد الأَول فلا عينية و لا تَشَخُّص في هذا