الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٥
حافزاً على التحقيق و إِحساساً بأَنَّ العالم غير منفك عن السنن و النظم، و عليه أَنْ يتفحَّصَ عنها.
و هذا بخلاف الباحث المعتنق للنظرَّية الثانية، لأَنَّ تحقق الصدفة أو التضاد السائد بين أجزاء المادة، لا يورث العِلْم بحتمية حدوث سنن و أَنظمة في داخل المادة حتى يبحث عنها الإِنسان فلا يصح للباحث عن سنن العالم و المستطلع للحقائق السائدة فيه، أنْ يتكئ على منصة الدراسة إِلاّ أَنْ يكون معتقداً بالنظريَّة الأُولى دون النظرية الثانية.
و هذا ما ادَّعيناه في صدر البحث من أَنَّ العقيدة الدينية خلاقة للعلوم و باعثة للتحقيق.
و قد خرجنا بهذه النتيجة و هي أَنَّ الدين بمعنى الإِعتقاد بكون العالم مخلوقاً لعلم و قدرة، عامل كبير في تقدم العلوم البشرية، و أَنَّه يثير روح التعمق و التدبر في الإِنسان المحقق، في حين إِنَّ اللادينية و الإِعتقاد بأَصالة المادة و عدم اتصالها بمبداً أقوى لا يثير شوق البحث و التحقيق.
نعم،ها هنا سؤال ربما يخالج ذهن القارئ و هو أنَّ هناك عدة فرق من دعاة المادية، من المكتشفين لأَسرار الطبيعة و نظمها، فلو كان الإِلحاد يعرقل خطى التحقيق و التقدم، فكيف وصل هؤلاء إلى ما وصلوا إليه من الكشف و التحقيق؟
الجواب: إِنَّ هؤلاء و إِن كانوا يحملون شعار الإِلحاد، لكنها شعارات على السنتهم،و أَما قلوبهم فتخفق بخلاف ذلك، بمعنى أَنَّهم يعتقدون في صميم قلوبهم بخضوع العالم لقوة كبرى أَجرت فيه السنن و النظم، التي هم بصدد كشفها و التعرف عليها، و لولا ذاك الإِيمان و الإِعتقاد بخضوع العالم لتلك القوة، لما حصل لهم الإِيمان بأَنَّ المادة ذات سنن و نظم، أَرضها و سماءَها، قريبها و بعيدها، حتَّى النجوم و المجرات المتوغلة في أَعماق