الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤٩
بل هما أَمران يدركهما العقل من مطابقة الفعل للمأمور به و مخالفته له. فعندئذ ليس هنا أي إِشكال في قدرته سبحانه على مِثْل ما قام به العبد بما هو مِثْلٌ، بأَنْ يكون فعله سبحانه متحد الذات و الهيئة مع فعل العبد و هيئته. و أما عدم اتصاف فعله سبحانه حينئذ بوصف الطاعة و العصيان فلا يضرّ بقدرته تعالى على مثل ما أتى به الإِنسان، لأن المِلاك في المِثْلِيّة هو واقعية الفعل و حقيقته الخارجية لا العناوين الإِعتبارية أو الإِنتزاعية غير الداخلة في حقيقة الشيء. و إلى ما ذكرنا ينظر قول العلامة الحلّي في شرح التجريد: «إنَّ الطاعة و العبث و صفان لا يقتضيان الإِختلاف الذاتي»[١]. نفترض أنَّ إنساناً قام ببناء بيت امتثالا لأمر آمره، فالله سبحانه قادر على إِجاد مثل ذلك البيت من دون تفاوتِ قدرِ شعرة بينهما و يتَّسم فعل العبد بالطاعة دون فعله سبحانه، لكن ذلك لا يوجد فرقاً جوهرياً بين الفعلين، بل الفعلان متحدان ماهية و هيئة.
و إِنما الإِختلاف في الأَمر الإِعتباري أوْ الإِنتزاعي، ففعل الإِنسان إذا نُسب إلى أَمر الآمر يتّسم بالطاعة دون فعله سبحانه. و هذا لا يوجب التَّقول بأَنه سبحانه لا يقدر على مثل فعل عبده.
نعم، هناك أَفعال صادرة عن الإِنسان بالمباشرة، قائمة به قيام العَرَض بالموضوع، كالشرب و الأكل. فعدم صدورهما عن الله سبحانه سبَبُه كونُهما من الأفعال المادية القائمة بالموضوع المادي، والله سبحانه منزه عن المادة، فلا يتصف بهذه الأفعال. و مع ذلك كله: فالإِنسان و ما يصدر منه من الأَفعال المباشرة بإقداره سبحانه و حوله و قوته، بحيث لو انقطع الفيض من ربه لصار الإِنسان مع فعله خبراً بعد أثر.
[١] كشف المراد، ص ١٧٤ - طبعة صيدا.