الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٢
كان الموجود منزّهاً من الغَيْبة و الجزئية و التَّبَعُّض و كان موجوداً بسيطاً جمعياً دون أجزاء و أبعاض، كانت ذاتُه حاضرةً لديها حضوراً كاملا مطلقاً. و بذلك نشاهد حضور ذواتنا عند ذواتنا لكن لا بمعنى حضور أبعاض أجسامنا و أبداننا بل بمعنى حضور الواقعية الإِنسانية المعبر عنها بلفظة «أنا» المنزهة عن الكمّ و البَعْض و التجزئة. فلو فرضنا موجوداً على مستوى عال من التجرد و البساطة عارياً عن كل عوامل الغيبة التي هي من خصائص الكائن المادي، كانت ذاته حاضرة لديه. و هذا معنى علمه سبحانه بذاته أي حضور ذاته لدى ذاته بأتم وجه لتنزهه عن المادية و التركّب و التفرّق كما سيوافيك برهان بساطته عند البحث عن الصفات السلبية.
و هناك دلائل أُخر تركناها رَوْماً للاختصار. غير أنَّ هناك جماعة ينفون علمه بذاته و إليك بيان مذهبهم:
العلم بالذَّات يستلزم التغاير
استدلَّ النافون لعلمه سبحانه بذاته بأنَّ العِلْم نسبةٌ قائمةٌ بين العالمِ و المعلوم و النسبة إنَّما تكون بين الشيئين المتغايرين، و نسبة الشيء إلى نفسه محال إذْ لا تغاير و لا إثنينيَّة. و باختصار: الشيء الواحد أعني سبحانه تعالى، بما هو شيء واحد، لا تتصور فيه نسبة.
و قد أجاب عنه المحققون بما هذا حاصله إِنَّ التعدّد و التغاير إنما هو في العلم الحصولي لأنه عبارة عن إضافة العالِم إلى الخارج بالصورة الذهنية، ففيه الصورة المعلومة غير الهُويَّة الخارجية. و أمَّا العلم الحضوري فلا يشترط فيه التغاير خارجاً بل يكفي التعدد اعتباراً.
مثلا: إنَّه سبحانه بما أنّ ذاته غير غائبة عن ذاته فهو عالم، و بما أنَّ الذات حاضرة لديها فهي معلومة.
و بعبارة أخرى: إنَّ إطلاق العِلْم و العالِم و المعلوم لأجل حيثيات