الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٠٩
يتوسط بينها و بين المدرِك أي شيء. فعند اتصال الإِنسان بالخارج عن طريق الصورة الذهنية يجتمع هناك عِلمان: حصوليٌّ باعتبار علمه بالخارج عن طريق الصورة، وحضوريٌّ باعتبار علمه بنفس الصورة و حضورها بواقعيتها عند المدرِك.
و بذلك تقف على فرق جوهري بين العِلْمين و هو أنَّ المعلومَ في العلم الحصولي غيرَ حاضر لدى المدرِك بواقعيته كما عرفت، و في الحضوري يكون المعلوم حاضراً لديه بواقعيته و هذا كالصورة العِلْمية الذهنيَّة فإنها بواقعيتها التي لا تخرج عن كونها موجوداً ذهنياً، حاضرة لدى الإِنسان.
و بذلك يظهر أنَّ الحصوليَّ ثلاثيُّ الأطراف و الحضوريَّ ثنائيُّها في هذا القسم الأول منه.
٢ـ ما لا يتوسط فيه بين المدرِك و المدرَك أي شيء ولكنهما يتحدان بالذات و يختلفان باللحاظ و الاعتبار. و ذلك كعلم الإِنسان و دَرْكِه لذاته، فإِنَّ واقعية كل إنسان حاضرة بذاتها لديه، و ليست ذاتُه غائبةً عن نفسه، و هو يشاهد ذاتَه مشاهدة عقلية و يحس بها إحساساً وجدانياً ويراها حاضرة لديه من دون توسط شيء بين الإِنسان المدرِك و ذاتِه المدرَكة. و في هذه الحالة يصبح العِلمُ أحاديَّ الأطراف بدل ثنائيِّها في الثاني و ثلاثيِّها في الأول. فالإِنسان في هذه الحالة هو العالم و هو المعلوم في آن واحد. و عندئذ يتّحد المدرِك و المدرَك و تصبح ذات الإِنسان عِلْماً و انكشافاً بالنسبة إلى ذاته. و من العلم الحضوري علم الإِنسان بأحاسيسه من أفراحه و آلامه، فالكل حاضر لدى الذات بلا توسط صورة.
و بذلك تقف على ضعف الإِستدلال على وجود الإِنسان بتفكره،
فيقال: «أنا أفَكَّر إِذَنْ أَنَا موجود»، فاستُدِلَّ بوجود التَّفَكُّر على وجود