المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٤٢٧ - ٤ التخصيص
أفراده.
قلت: إنّ تقديم الخاص على العام لأحد وجهين:
١ـ إنّ تقديم الخاص على العام يوجب العمل بكلا الدليلين ، بخلاف العكس، فانّه يوجب لغويّة الخاص وكون صدوره هزلاً أو تقيّة أو تورية وتمويهاً وكلّ ذلك ينتج إلغاء الدليل.
٢ـ إنّ النظام السائد على ظروف التقنين والتشريع هو فصل الخاص عن العام وذلك لمصالح أهمّها عدم إحاطة المقنِّنين العاديين على المصالح والمفاسد، فربّما يضعون قانوناً عاماً ثمّ يبدوا لهم أنّ الحكم بسعته على خلاف المصلحة، فيذكرون المخصّصات والمقيّدات متأخّراً، وهذا هو السبب في تقديم الخاص على العام في التشريعات البشرية.
وأمّا التشريع الإلهي فهو وإن كان نزيهاً عن الجهل وعن عدم الإحاطة بالمفاسد والمصالح لكن تعلّقت مشيئته سبحانه ببيان الأحكام على سبيل التدريج، فلأجل ذلك صارت السيرة على ذكر المخصّصات بعد العموم وفصلها عنه زماناً.
وقد اقترح المشركون على النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يأتي بالقرآن جملة واحدة، فنزل الوحي ردّاً عليه، بقوله:(وَ قالَ الّذينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرآنُ جمْلَةً واْحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتيلاً) .(الفرقان/٣٢)
فأشار الوحي إلى أنّ في النزول التدريجي تثبيتاً لفؤاد النبي الأكرم(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). أضف إلى ذلك أنّ النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) اشتغل في مكّة المكرّمة قرابة ثلاث عشرة سنة بنشر المعارف وتحطيم الوثنية، فلم تسع له الفرصة بتبليغ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة، فلمّا هاجر إلى المدينة، حارب اليهود والنصارى من جانب، وحارب المشركين في المدينة أو في عقر دارهم من جانب آخر، وابتلى بالمنافقين في داخل