الإعتصام بالكتاب و السنة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٤ - ٤ الإشراقات الإلهية
قال القرطبي: محدَّثون بفتح الدال اسم مفعول جمع محدَّث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن، و هو من أُلقي في نفسه شيء على وجه الالهام و المكاشفة من الملا الاعلى، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلّمه الملائكة بلا نبوّة، أو من إذا رأى رأياً أو ظنّ ظنّاً أجاب كأنّه حدّث به، و أُلقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له، و هذه كرامة يكرم اللّه بها من شاء من عباده، و هذه منزلة جليلة من منازل الاولياء.
فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فإنّه عمر، كأنّه جعله في انقطاع قرينة في ذلك كأنّه نبيّ، فلذلك أتى بلفظ «إن» بصورة التردّد. قال القاضي: و نظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد و الاختصاص قولك: إن كان لي صديق فهو زيد، فإنّ قائله لا يريد به الشكّ في صداقته بل المبالغة في أنّ الصداقة مختصّة به لا تتخطّاه إلى غيره[١].
فإذا كان في الامم السالفة رجال بهذا القدر و الشأن فلِمَ إذاً لا يكون بين الأمّة الاسلامية رجال شملتهم العناية الالهية فأحاطوا بالكتاب و السنّة إحاطة كاملة يرفعون حاجات الامّة في مجال العقيدة و التشريع.
فمن زعم أنّ مثل هذه الافاضة تساوق النبوّة و الرسالة، فقد خلط الاعم بالاخصّ فالنبوّة منصب إلهيّ يقع طرفاً للوحي يسمع كلام اللّه تعالى و يرى رسول الوحي، و يكون إمّا صاحب شريعة مستقلّة أو مروّجاً لشريعة من قبله.
و أمّا الامام: و هو الخازن لعلوم النبوّة في كل ما تحتاج إليه الامّة من دون أن يكون طرفاً للوحي أو سامعاً كلامه سبحانه أو رائياً للملك الحامل له. و لِاحاطته
[١] . لاحظ للوقوف على سائر الكلمات حول المحدَّث، كتاب الغدير: ٤٢/ ٤٩٥.