دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٧٢ - الأقوال في حجية الاستصحاب
الاستصحاب التعليقي، يجري فيه استصحاب بقاء الإباحة الثابتة قبل الغليان، ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الإباحة لما بعد الغليان.
و ذلك لما تقدم في دفع توهم المعارضة بين الاستصحابين في مرحلة الجعل، من
ان الإباحة غير محتاجة إلى جعل مستقل، بل الإباحة العقلائية ثابتة لجميع
الأشياء ما لم يجعل لها حكم إلزاميّ، وقد أمضاها الشارع على ما يستفاد من
قوله عليه السّلام«اسكتوا عما سكت اللّه عنه»و غير ذلك، فكأن الشريعة
المقدسة إنما شرعت لبيان الإلزامات. وأما الترخيص فكانت الأشياء عليه قبل
ثبوت الشرع، فاستصحاب عدم جعل الإلزام يجري، ويثبت به موضوع الإباحة، فالشك
في بقاء الإباحة مسبوق بيقينين في مرحلتين، ومقتضى الاستصحاب في كليهما
بقاء الإباحة.
و أما الطهارة الخبثية، فكذلك كانت الأشياء عليها في أوّل الشريعة بحسب
الارتكاز العقلائي ما لم تثبت لها نجاسة، فأمضاها الشارع، وهكذا الآثار
المترتبة عليها، فكل ذلك غير محتاج إلى جعل وبيان مستقل، ولذا لم يبين
طهارة كل موضوع مستقلا، فلم يرد في دليل ان الشجر طاهر، والحجر طاهر،
والمدر طاهر إلى غير ذلك، وإنما بين النجاسات، فهي المحتاجة إلى الجعل
والبيان، والذوق العرفي يوافق ما ذكرناه، فان القذارة العرفية طارئة على
الأشياء، وهي المحتاجة إلى المئونة، وإلاّ فكل الأشياء طاهر عرفا ما لم يكن
فيه موجب القذارة ذاتا أو عرضا.
و عليه فإذا شك في طهارة ماء التمر بعد ما غلى، فاستصحاب طهارته بلا معارض،
إذ لا مجال لاستصحاب عدم جعل الطهارة له، بل الأصل عدم جعل نجاسته، وهو
موافق من حيث المؤدى لاستصحاب بقاء الطهارة.
و أما الطهارة عن الحدث، فهي أيضا غير محتاجة إلى الجعل بقاء في كل حال