دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٧١ - الأقوال في حجية الاستصحاب
و
الأحكام بأجمعها مشروطة بوجود موضوعها، فيصح نفيها حقيقة إذا لم يتحقق
موضوعها خارجا، فإذا حكم الشارع بنجاسة الخنزير، وقال: الخنزير نجس، فمرجعه
إلى انه إذا وجد في الخارج شيء وصدق عليه الخنزير فهو نجس، فإذا فرضنا
عدم وجود الخنزير في العالم صح نفي نجاسة الخنزير، ويكون من قبيل السالبة
بانتفاء الموضوع.
و عليه فتحقق الحكم المجعول يكون بثبوت أمرين، أحدهما: تحقق الاعتبار
والجعل، ثانيهما: فعلية الموضوع. وأما عدم المجعول فيكفي فيه انتفاء أحد
الأمرين، فإذا تحقق الجعل ولم يتحقق الموضوع انتفى المجعول. كما انه إذا
وجد الموضوع ولم يتحقق الاعتبار والجعل انتفى المجعول أيضا، فإذا يكفي
استصحاب عدم الجعل في انتفاء المجعول، بل هو عينه لا لازمه، لما عرفت من
أنه لا واقع للمجعول سوى الجعل والاعتبار، غاية الأمر إذا انتفى الجعل
واقعا انتفى المجعول كذلك، وإذا انتفى بالتعبد الاستصحابي ظاهرا حكم
بانتفاء المجعول ظاهرا. ولا فرق من حيث الأثر في الحكم بانتفاء المجعول بين
الظاهر والواقع، ولهذا لم يستشكل أحد في استصحاب عدم النسخ أي بقاء الجعل،
بل ادعى المحدث الأسترآبادي ضروريته، مع أنه لا يترتب عليه الأثر إلاّ بعد
فعلية الموضوع. نعم أثره جواز الإفتاء بالقياس إلى المفتي، وهو غير متوقف
على وجود الموضوع.
فتلخص: أنه لا مانع من استصحاب عدم الجعل، ودائما يعارض به استصحاب بقاء
المجعول، إلاّ في الشبهات الموضوعية التي هي مورد الصحيحة، فانه يستصحب
فيها بقاء الموضوع، ويترتب عليه حكمه.
و لكن ما ذكرناه مختص بالأحكام الإلزامية وما يلحق بها من الأحكام
الوضعيّة. ولا يجري في الإباحة وما يلحق بها من الطهارة الحدثية أو
الخبثية، فإذا شككنا في بقاء إباحة العصير التمري مثلا بعد غليانه أو
الزبيبي، مع قطع النّظر عن