دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٣٥٤ - المقام الثاني في حكم التعارض، وان مقتضى القاعدة فيه هو التساقط أو الأخذ بأحدهما تعيينا أو تخييرا؟
وجوب
الضد للآخر، كما إذا قامت إحداهما على وجوب الجلوس في ساعة معينة، والاخر
على وجوب القيام في تلك الساعة مع إمكان الاضطجاع أيضا، فالظاهر كونه خارجا
عن باب التعارض، ودخوله في باب التزاحم، إذ لا منافاة بين ثبوت الحكمين في
مرحلة الجعل بعنوان من قامت لديه الأمارة على شيء، فحينئذ من لم تقم
الأمارة عنده إلاّ على وجوب أحد الأمرين لم يتحقق التزاحم بالقياس إليه،
ومن قامت لديه كلتيهما وقعت المزاحمة بين الحكمين بالإضافة إليه، إلاّ أنه
يتخير بينهما، لعدم احتمال أهمية أحدهما على الآخر، إذ المراد بالأهمية
ليست الأهمية من حيث المخبر به أعني به درجة الوجوب، وانما المرجح أهمية
الملاك، والمفروض ان الملاك لكليهما أمر واحد، وتفرضه أهمية العادل المخبر
مثلا. كما ان الوجوب الثابت في الموردين ثابت بعنوان واحد، وهو قيام
الأمارة على الوجوب، فالترجيح لا وجه له.
و الحاصل: ان مقتضى القاعدة في تعارض الأمارتين على الطريقية هو التساقط.
و أما على السببية بمعنى المصلحة السلوكية فكذلك، ولا يرجع التعارض إلى
التزاحم، لأن المصلحة السلوكية انما تكون في سلوك ما هو طريق معتبر إلى
الواقع، فإذا فرضنا سقوط الخبرين عن الطريقية إلى الواقع بسبب التعارض
فسلوكها ليس سلوكا للطريق ليكون مشتملا على المصلحة ويقع التزاحم بين
استيفائهما.
و أما على السببية المصطلحة، بمعنى كون قيام الأمارة محدثا للمصلحة أو
المفسدة حدوثا أو بقاء، فربما يقال: برجوع تعارض الخبرين إلى التزاحم، فإذا
قام أحد الخبرين على وجوب شيء أوجب ثبوت مصلحة فيه، وإذا قام الخبر
الثاني على حرمته أوجب ذلك ثبوت المفسدة فيه، وحيث ان المكلف لا يقدر على
استيفاء الأولى والاحتراز عن الثانية وقعت المزاحمة بينهما لا محالة.