دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٣٧٥ - انقلاب النسبة عند تعارض أكثر من الدليلين
مورد
الافتراق عن تحت أحدهما، لكونه مخصصا له، فلا محالة تنقلب النسبة بين
الدليلين إلى العموم المطلق. مثلا إذا ورد يستحب إكرام العلماء، وفي دليل
آخر يحرم إكرام الفساق، فبينهما عموم من وجه، ومورد اجتماعهما هو العالم
الفاسق، فانه يستحب إكرامه بمقتضى الأول، ويحرم بمقتضى الثاني، فإذا ورد في
دليل ثالث يجب إكرام العلماء العدول، فهو أخص من دليل استحباب إكرام
العالم، فيخصصه بالعالم الفاسق، فيصير أخص من دليل حرمة إكرام الفساق، فهل
يخصصه أو لا يمكن ذلك، بل لا بد من ملاحظة حال الدليلين في نفسهما؟و إذا
كان مقتضى القاعدة فيها التساقط سقطا، ويرجع إلى الأصول.
ذهب صاحب الكفاية[١]تبعا للشيخ[٢]إلى
الثاني، بدعوى: ان المعارضة انما تكون بين ظهورات الأدلة، وتقديم أحد
الدليلين على الآخر عند المعارضة أي القرينة المنفصلة لا يوجب سقوط ظهوره،
وانما يوجب سقوطه عن الحجية.
و الصحيح: هو الثاني. وبما انه يترتب على هذه المسألة فروع مهمة كثيرة، لا
بد من تنقيحها ببيان مقدمتين: المقدمة الأولى: ما تقدم في بحث العام
والخاصّ، وحاصله: ان دلالة اللفظ تكون على أنحاء ثلاثة: الأولى: انتقال
العالم بالوضع من سماع اللفظ إلى معناه، المعبر عنها بحسب اصطلاح القوم
بالدلالة الوضعيّة. ونحن عبرنا عنها بالدلالة الأنسية، لعدم كونها مستندة
إلى الوضع، وانما هي ناشئة من أنس اللفظ مع المعنى، لكثرة استعماله فيه،
ولذا تتحقق بمجرد سماع اللفظ، ولو كان من حيوان، أو استكاك حجر بحجر، أو
إنسان لم يكن في مقام البيان، أو نصب القرينة على عدم إرادته من اللفظ، كما
في
[١]كفاية الأصول: ٢-٤٠٦.
[٢]فرائد الأصول: ٢-٧٩٤-٧٩٦(ط. جامعة المدرسين).