دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٢٥٢ - الثانية في تعارض الاستصحاب مع سائر الأصول العملية من البراءة والاحتياط والتخيير
أما في
تعارض الاستصحابين، فنقول مقدمة: ان التنافي بين الدليلين، تارة: يكون في
أنفسهما مع قطع النّظر عن عجز المكلف عن امتثالهما، أي في مقام الجعل،
فيكونان متعارضين، سواء كان تعارضهما بالذات، لاستلزام جعلهما اجتماع
النقيضين، أو الضدين، كجعل الحكم بشيء وعدمه، أو جعل وجوب شيء وحرمته، أو
بالعرض كما في جعل الوجوب للظهر أو الجمعة، فانه يعلم إجمالا بكذب أحدهما
مع عدم التنافي بينهما ذاتا. وفي مثله يرجع إلى مرجحات باب التعارض.
و أخرى: يكون التنافي بين الدليلين من جهة عجز المكلف عن امتثال كلا
الحكمين، كوجوب الصلاة والإزالة، فانه لا مانع من جعلهما إلاّ من ناحية عدم
قدرة المكلف على امتثالهما. ولا بد فيه من الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم
من الأهمية، وكون أحدهما ذا بدل، وأخذ القدرة فيه شرعا، إلى غير ذلك.
و عليه فالاستصحابان المتنافيان أيضا يجري فيهما القسمان. فان تنافيهما قد
يكون لعجز المكلف عن امتثال كلا التعبدين، كما في استصحاب وجوب الصلاة
والإزالة المتزاحمين.
و توهم: عدم جريان التزاحم ومرجحاته في الاستصحابين، لأن دليلهما واحد، ونسبته إليهما على حد سواء، فلا معنى للترجيح.
مدفوع: بأن التزاحم انما هو بين الحكمين، هو بأهمية أحد المتيقنين، ولا
عبرة باليقينين، ولا بالدليل الواحد، فكما ان وجوب الإزالة المتيقنة كانت
أهم من وجوب الصلاة في فرض العلم به وجدانا، فكذلك إذا ثبتا بالتعبد
الاستصحابي.
و بعبارة أخرى: دليل الاستصحاب وان كان واحدا إلاّ انه انحلالي، ينحل لبا
إلى أحكام عديدة، فالأهم منهما يكون أرجح، فالتزاحم معقول في الاستصحابين
إذا لم يتمكن المكلف من امتثالهما.