دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٣٤٩ - المقام الثاني في حكم التعارض، وان مقتضى القاعدة فيه هو التساقط أو الأخذ بأحدهما تعيينا أو تخييرا؟
و في
المقام إذا فرضنا ان دليل اعتبار البينة لا يمكن ان يعم البينتين
المتعارضتين، لاستلزامه التعبد بالضدين أو النقيضين، وشموله لأحدهما دون
الآخر بلا مرجح، فيتعين عدم شموله لشيء منهما.
ثم هل يمكن بعد تساقطهما الرجوع إلى حكم ثالث لا يوافق شيئا منهما، بل
ينافيهما، كالرجوع إلى الإباحة، تمسكا بأصالة الحل بعد تساقط ما دل على
وجوب الشيء وما دل على حرمته، مع أن الإباحة مخالف لكلا الدليلين، أو لا
يمكن ذلك؟ وليعلم ان مورد البحث في ذلك ما إذا لم يعلم من الخارج انتفاء
الحكم الثالث. ذهب صاحب الكفاية والميرزا قدّس سرّه إلى جواز الرجوع إليه،
ولكل منهما تقريب في ذلك.
أما ما ذكره في الكفاية[١]فحاصله:
ان مقتضى التعارض بين الدليلين ليس إلاّ عدم إمكان الأخذ بهما معا، للعلم
بكذب أحدهما، وعدم إمكان الأخذ بأحدهما المعين، لكونه ترجيحا بلا مرجح.
وأما أحدهما لا بعينه فلا يقتضي التعارض سقوطه عن الحجية، ومقتضى اعتباره
عدم إمكان الرجوع إلى ما ينافيهما معا، ولو كان ثبوته محتملا، ولم يعلم من
الخارج بموافقة أحد الدليلين للواقع، كما إذا دل دليل على وجوب الظهر ودليل
آخر على وجوب الجمعة فيها، حيث يعلم من الخارج بعدم إمكان الرجوع إلى
البراءة عنهما.
و بالجملة التعارض بين دليل وجوب الشيء وحرمته انما يقتضي عدم شمول دليل
الحجية لهما معا، ولخصوص دليل الوجوب دون الحرمة أو العكس، وأما أحدهما لا
بعينه فهو مشمول لدليل الحجية، ومقتضى ذلك عدم إمكان الرجوع إلى حكم ثالث
ينافيهما كالإباحة.
[١]كفاية الأصول: ٢-٣٨٢-٣٨٥.