دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٣٤٧ - أما المقام الأول في معنى التعارض وأقسامه وفرقه عن التزاحم
و
بالجملة الفرق بين التعارض والتزاحم ظاهر، حيث ان التعارض هو تنافي الحكمين
في مرحلة الجعل والتشريع، بخلاف التزاحم، فانه تنافي الحكمين في مرحلة
الامتثال الناشئ من عجز المكلف، فلا يوجب ذلك تنافي دليليهما المتكفل لجعل
الحكمين المشروطين بالقدرة، ولذلك ترى اختلاف التزاحم باختلاف المكلفين،
فقد يكون حكمان متزاحمين بالقياس إلى أحد، وغير متزاحمين بالقياس إلى
الآخر، كوجوب إنقاذ الغريقين مثلا إذا تمكن أحد من إنقاذهما معا، أو تمكن
أحد من إنقاذ الغريق من دون أن يغصب دون غيره، وهذا واضح.
و لكن المحقق النائيني ذكر إمكان وقوع التزاحم بين حكمين في مقام الجعل من
دون ان يكون التنافي ناشئا من عدم قدرة المكلف على امتثالهما[١].
ومثل له بما إذا ملك أحد خمسا وعشرين من الإبل، فلما مضى عليها ستة أشهر
ملك إبلا آخرا، فصاروا ستا وعشرين، فإذا مضى من أول الحول سنة كاملة تحقق
موضوع النصاب الخامس، وفيه خمس شياة، فإذا مضى بعد ذلك ستة أشهر، أي ثمانية
عشر شهرا من أول الحول، تحقق النصاب السادس، وهو مضي الحول على ست وعشرين،
وفيه بنت مخاض. ومن الظاهر ان ما كان من الإبل متمما لأحد النصابين لا
يكون متمما للنصاب الآخر، فيقع التزاحم بين وجوب أداء خمس شياة في آخر
الحول ووجوب دفع بنت مخاض في نهاية حول النصاب السادس.
و بعبارة أخرى: لا بد من رفع اليد عن الإبل الواحد الّذي ملكه في أثناء الحول وفرضه كأن لم يكن، أو رفع اليد عما ملكه قبل ذلك.
و من الظاهر ان التنافي في المثال ليس ناشئا من عجز المكلف، لتمكنه من دفع
خمس شياة وأداء بنت مخاض أيضا، بل التنافي يكون في مرحلة الجعل، للعلم بعدم
جعل أحد الحكمين.
[١]أجود التقريرات: ٢-٥٠٤.