دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ١١٤ - التنبيه الرابع استصحاب الكلي
ثم انه ذكر في الكفاية[١]ان
المشكوك فيه إذا كان من مراتب المتيقن، وكان الاختلاف بينهما بمجرد الشدة
والضعف، كما في الألوان فيما إذا تيقن الإنسان بتحقق السواد الشديد مثلا،
ثم علم بارتفاع تلك المرتبة، وشك في ارتفاعه رأسا وبقائه في ضمن مرتبة
ضعيفة، جرى فيه الاستصحاب، لأن الضعيف والقوي من طبيعة واحدة وان كانا
مختلفين في الوجود حقيقة، إلاّ أنهما متحدان بنظر العرف واختلاف المرتبة
يعد من الأوصاف والحالات، فكأن نفس الوجود المتيقن يشك في بقائه، فيستصحب.
و نقول: أما ما أفاده من جريان الاستصحاب فيما إذا احتمل حدوث مرتبة أخرى
بعد انعدام المرتبة المتيقنة، كما إذا علمنا بارتفاع ما كنا على يقين منه
من مرتبة عدالة زيد أو علمه، واحتملنا حدوث مرتبة أخرى منها أشد أو أضعف،
فهو تام لا شبهة فيه، إلاّ أن عده من القسم الثالث من استصحاب الكلي، كما
هو ظاهر كلامه، غير صحيح، لأنه يعتبر فيه أن يكون هناك وجودان، أحدهما:
متيقن الارتفاع، والآخر: محتمل الحدوث، وليس المقام هكذا، بداهة ان اختلاف
المرتبة لا يوجب ذلك، بل المراتب المختلفة ماهية واحدة موجودة بوجود واحد
حقيقة. وهذا أحد البراهين التي أقيمت على أصالة الوجود، فانهم ذكروا أن
الماهية لو كانت هي الأصيلة لزم تحقق أمور أصيلة غير متناهية فيما بين
المبدأ والمنتهى عند اختلاف مراتب الكم والكيف، لاستحالة الطفرة، فان كل
مرتبة منها ماهية مستقلة، فإذا كانت الطفرة مستحيلة، لا بد وأن يكون الرقي
من الضعف إلى الشدة بالترتيب، وكل مرتبة تفرض فهي قابلة للتجزية، فيلزم
المحذور المزبور.
[١]كفاية الأصول: ٢-٣١٤.