تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٢٧٢ - سورة البقرة
حلقت لأمتحننهم بفتنة يظل الحكيم فيها حيرانا، و لا سلطن عليهم شر عبادي ولادة، و شرهم طعاما فليتسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم، و يسبى حريمهم، و يخرب بيتهم الذي يغترون به، و يلقى حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مأة سنة، فأخبر ارميا أحبار بنى إسرائيل فقالوا له، راجع ربك ما ذنب الفقراء و المساكين و الضعفاء؟ فصام ارميا سبعا ثم أكل اكلة فلم يوح اليه شيء، ثم صام سبعا فأوحى الله اليه يا ارميا لتكفن عن هذا أو لاردن وجهك الى قفاك، قال: ثم اوحى الله اليه قل لهم:
لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه، فقال ارميا: رب أعلمني من هو حتى آتيه و آخذ لنفسي و أهل بيتي منه أمانا، قال: ايت موضع كذا و كذا فانظر الى غلام أشدهم زمانة، و أخبثهم ولادة، و أضعفهم جسما، و شرهم غذاء فهو ذاك، فأتى ارميا ذلك البلد فاذا هو بغلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان، و إذا له أم تزبى بالكسر[١] و تفت الكسر في القصعة، و تحلب عليه خنزيرة لها. ثم تدنيه من ذلك الغلام فيأكله.
فقال ارميا: ان كان في الدنيا الذي وصفه الله فهو هذا. فدنا منه فقال له: ما اسمك؟ فقال: بخت نصر. فعرف انه هو، فعالجه حتى برأ ثم قال له، أ تعرفنى؟ قال، لا، أنت رجل صالح، قال: انا ارميا نبي بنى إسرائيل أخبرنى الله انه سيسلطك على بنى إسرائيل فتقتل رجالهم و تفعل بهم و تفعل، قال: فتاه[٢] في نفسه في ذلك الوقت ثم قال ارميا: اكتب لي كتابا بأمان منك، فكتب له كتابا و كان يخرج الى الجبل و يحتطب و يدخل المدينة و يبيعه، فدعا الى حرب بنى إسرائيل و كان مسكنهم في بيت المقدس، و أقبل بخت نصر فيمن أجابه نحو بيت المقدس و قد اجتمع اليه بشر كثير، فلما بلغ ارميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له و معه الامان الذي كتبه له بخت نصر، فلم يصل اليه ارميا من كثرة جنوده و أصحابه فصير الامان على خشبة و رفعها، فقال: من أنت؟
فقال: انا ارميا النبي الذي بشرتك بأنك سيسلطك الله على بنى إسرائيل و هذا أمانك لي،
[١] زبى اللحم: نثره في الزبية، و الزبية: حفيرة يشتوى فيها و يخبز. و الكسر- كعنب- جمع الكسرة. الخبز المتكسر اليابس.