صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٩ - الضابطة الأولى في نفي الشريك في الواجبية
منهما، فيكون وجوب الوجود المشترك بينهما خارجاً عن حقيقة أحدهما، و هو مستحيل؛ لما مرّ من أنّ وجوب الوجود نفس حقيقة الواجب. و إمّا أن يكون جزء حقيقته، فيلزم التركيب فيه، و التركيب يستلزم الاحتياج إلى الأجزاء، و كل محتاج ممكن و إمّا أن يكون خارجاً عن الحقيقة، فيلزم أن يكون الواجب في تعيّنه محتاجاً إلى غيره؛ لان تعيّن الشيء إذا كان زائداً على حقيقته عرضيا لها يلزم أن يكون معلّلًا؛ لأنّ كل ما هو عرضي لشيء فهو معلّل إمّا بذلك الشيء و هو ممتنع؛ لأنّ العلة بتعينها سابقة على المعلول و تعينه، فيلزم تقدم الشيء على نفسه. و إمّا بغير ذلك الشيء فيكون محتاجاً إليه في وجوده، كما في تعينه؛ إذ التعيّن للشيء إما عين وجوده، أو في مرتبة وجوده، و الاحتياج في الوجود ينافي وجوب الوجود لذاته.
أقول: و عليه إشكال مشهور، و قد سمّاه بعضم بافتخار الشياطين، بل نقل عن بعض المحققين أنّه قال: لو أدركت ولي العصر- عجّل الله فرجه- ما طلبت منه معجزة سوى حلّ هذا الإشكال! و هو شبهة ابن كمّونة، من أنّه «لم لا يجوز أن يكون هناك هويتان بسيطتان مجهولنا الكنه، مختلفتان بتمام الحقيقة فيكون كل منهما واجب الوجود بذاته، و يكون مفهوم واجب الوجود منتزعاً منهما مقولًا عليهما قولًا عرضياً، فيكون الاشتراك بينهما في هذا المعنى العرضي المنتزع عن نفس ذات كل منهما، و الافتراق بصرف حقيقة كل منهما».
قال صاحب الأسفار في إلهيّاتها: و الشبهة مما أوردها هو- أي صاحب الإشراق- أوّلًا في المطارحات تصريحاً و في التلويحات تلميحاً، ثم ذكرها ابن كمّونة، و هو من شرّاح كلامه في بعض مصنفاته، و اشتهرت باسمه، و لإصراره على اعتبارية الوجود، و أنّه لا عين له في الخارج تبعاً لهذا الشيخ الإشراقي، قال في بعض كتبه: إنّ البراهين التي ذكروها إنّما تدل على امتناع تعدد الواجب مع اتحاد الماهية، و أمّا إذا اختلف فلا بد من برهان آخر و لم أظفر به إلى الآن، لكنّ القائلين بأصالة الوجود- و في طليعتهم صاحب الأسفار- أجابوا عن الشبهة المذكورة: بأنّ مفهوم الوجود و إن كان منتزعاً من الماهية بسبب عارض لكنّه منتزع من كل وجود خاص حقيقي بحسب ذاته بذاته، فإذن نسبته إلى الوجودات الخاصة نسبة المعاني المصدرية الذاتية إلى الماهيات، كالإنسانية من الإنسان و الحيوانية من الحيوان، حيث ثبت أنّ اشتراكها معنى تابع لاشتراك ما تنتزع هي منه، و كذلك تعددها فيه تابع لتعدد ما ينتزع منه، فإنّ الإنسانية- مثلًا- مفهوم واحد ينتزع من ذات كل إنسان، و لا يمكن انتزاعها من ماهية فرس أو بقر أو غير ذلك. فاتحادها في المعنى مستلزم لاتحاد جميع ما صدقت هي عليها بحسب ذاتها معنى، سواء كان ذلك المعنى جنساً أو نوعاً. فإذن لو كان في الوجود واجبان لذاتيهما كان الوجود الانتزاعي مشتركاً بينهما، كما هو مسلّم عند الخصم، و كان ما بإزائه من الوجود الحقيقي الذي هو مبدأ