صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٨ - الضابطة الثالثة في انحصار العبادة له تعالى
فكل مستفيض استفاد من أحد شيئاً فقد استفاض من الله تعالى؛ لأنه مسبّب الأسباب، و أنّه خالق كل شيء، و أنّه المؤلّف بين القلوب أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ، فحصول الدواعي المترتبة عليها العبادة لا يمكن إلا من الله و له، فإنّه القادر العالم بكلّ شيء و الكلّ من عنده، فلا دافع و لا معطي إلا هو، و هو المستجمع لجميع صفات الكمال، فلا استعظام إلا له، و هو الباقي الأبدي المؤثر فلا يهم إلا تحصيل رضائه، فالحمد و الشكر و الخضوع و الحاجة و المدد كلها له و إليه و منه، و ما بكم من نعمة فمن الله، و إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها فإياك نعبد و إيّاك نستعين.
و مما يدل على انحصار مطلق الخضوع به تعالى بالنظر الدقي: أنّ كل منعم إنّما ينعم على غيره بداعٍ راجع إلى نفسه أولًا من تحصيل شوكة، أو نفوذ كلمة، أو تسكين عاطفة، و لا أقلّ من إرضاء الله سبحانه و استحقاقه ثوابه الأخروي أو فضله الدنيوي إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ[١]. و أمّا إنعام الله سبحانه على عباده فليس لغرض عائد إليه أصلًا، كما يأتي بحثه في المقصد الخامس إن شاء الله. و أيضاً كل إحسان و عمل من كلّ أحد لا يكون خالياً عن نقص ما؛ لعدم إحاطة المحسن بجميع الجهات الواقعية، بخلاف إحسان الحكيم فإنّه على وفق الحكمة و المصلحة، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ[٢]، فهو أحقّ بالخضوع و العبادة، و غيره مستأهل له عرضاً.
الفائدة الرابعة: الذي يجب على المسلم و يشترط في صحة إسلامه هو أن يعتقد بوحدانية الله تعالى، و أنبه لا شريك له في الخلق، و استحقاق العبادة، و لا يجب الاعتقاد باستحالة الشركة و امتناع الشريك؛ لعدم دليل عليه عقلًا و شرعاً، و من هنا يمكن أن يقال: إنّ الخبر المقدّر في كلمة «التوحيد» هو لفظ موجود، و ما أورد عليه من عدم دلالته على نفي إمكان إله آخر غير وارد، فإنّ الاعتقاد به غير لازم و إن كان حقاً في الواقع.
ثم إنّ الشرك في كلّ من الواجبية و الصانعية و العبادة يستلزم الشرك في الآخر. نعم، الشرك في الواجبية لا يستلزم الشرك في الصانعية، و أمّا العكس فاللزوم ثابت، كما لا يخفى على المتأمل فتأمل.
ثم إنّ الاعتقاد بالشركة في كل هذه المقامات الثلاثة و إن يوجب خروج الشخص عن الإسلام لكنّه من جهة دلالة الشرع دون العقل، كما هو واضح.
تنبيه: و أمّا التوحيد في الرزق فسيأتي في المقصد الخامس إن شاء الله.
[١] - الإسراء ١٧/ ٧.
[٢] - الإسراء ١٧/ ٨٤.