صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٧ - الضابطة الثالثة في انحصار العبادة له تعالى
خوفاً و طمعاً[١]، و قوله: و يدعوننا رغباً و رهباً[٢]، و قوله تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً و طمعاً[٣]. و يدل على صحة المأتيّ به بالداعي الرابع قوله: لئن شكرتم لازيدنكم[٤] كما قيل.
هذا، و قال بعض المفسرين[٥] بعد ما نقل اتفاق المتكلمين على أن من عبد و دعا لأجل الخوف من العقاب و الطمع في الثواب لم تصح عبادته: و التوفيق بين الآية و القول: أنّ المراد من قوله: وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً[٦] الخوف من وقوع التقصير في الشرائط المعتبرة في الامتثال الذي وقع، و الطمع في حصول الشرائط و قبولها بكرمه و فضله، فحصل التوفيق، و يؤيد هذا المعنى نحو قوله تعالى: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[٧].
أقول: ما ذكره خلاف الظاهر، و القول المذكور غير ظاهر، ضرورة صحة عبادة المسلمين شرعاً، مع أنّهم لا يؤتونها إلا لخوف العقاب- كما هو الأكثر- أو لطمع الثواب قطعاً[٨]. و لا يمكن لأحد أن يلتزم ببطلان أعمالهم شرعاً، فالصحيح أنّ هذه الدواعي الخمسة كلها علل للخضوع للخالق و المخلوق، و إن كان بعضها أفضل من بعض.
ففي صحيحة هارون بن خارجة: «العبادة ثلاث (العباد ثلاث نسخة): قوم عبدوا الله عزو جل خوفاً فتلك عبادة العبيد، و قوم عبدوا الله تبارك و تعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء و قوم عبدوا الله حباً له فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة»[٩].
الفائدة الثالثة: العبادة بنحو التألّه مختصة بالله سبحانه، فإنّه الواجب الخالق، و لا تجوز لغيره؛ لما صرح به القرآن المجيد في جملة من آياته. و أمّا الخضوع لا بهذا العنوان فهو و إن كان جائزاً لغيره، بل ربما يكون لازماً عقلًا أو شرعاً، غير أنّ المستحق له واقعاً أيضاً هو الله تعالى فقط؛ لأنّ غيره ممكن، و كل ممكن محتاج في قوام وجوده و صدور أفعاله إليه حدوثاً و بقاءً،
[١] - الأعراف ٧/ ٥٦.
[٢] - الأنبياء ٢١/ ٩٠.
[٣] - السجدة ٣٢/ ١٦.
[٤] - ابراهيم ١٤/ ٧.
[٥] - مقتنيات الدرر ٣/ ٣٤٣.
[٦] - الأعراف ٧/ ٥٦.
[٧] - المؤمنون ٢٣/ ٦٢.
[٨] إلا أن يقال: إنّ الخوف أو الطمع يكون داعياً لهم لإتيان العبادة بقصد الأمر.
[٩] أصول الكافي ٢/ ٨٤.