صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٢ - المطلب الثاني عشر في امتناع الاكتناه بحقيقته تعالى
أقول: و هذا الادّعاء مستند إلى استقراء ناقص، ضرورة عدم إحاطة هذا المدّعي بجميع العارفين، و هذا واضح فلا اعتداد به.
٢- إنّ كل ما يعلم منه من كونه موجوداً عالماً قادراً ...- إلى آخره- لا يمنع تصوره الشركة فيه؛ و لذلك يحتاج في نفيه عن الغير- و هو التوحيد- إلى الدليل، و ذاته المخصوصة يمنع تصورها من الشركة، فليس المعلوم ذاته.
و فيه أيضاً ما مرّ، مع أنّ لازمه أنّ من عرف وحدانيته و أقرّ بتوحيده فقد عرف ذاته؛ لعدم احتمال الشركة حينئذٍ، فافهم.
و قال المحقق اللاهجي في شوارقه[١]: إنّ حقيقة الواجب إنّما يمتنع حصولها في العقل؛ لكونها عين حقيقة الوجود، و حقيقة الوجود الخارجي يمتنع حصولها في الذهن، و إلا لانقلب الذهن خارجاً. و هذا الامتناع ليس مختصاً بالواجب، بل كل ما هو فرد للوجود الخارجي سواء كان قائماً بذاته أو بماهيته يمتنع أن يحصل في الذهن، إلا أنّه لمّا كان الممكن حقيقته و ذاته غير وجوده و حقيقة الواجب عين وجوده اختص امتناع حصول الكنه الذي هو الذات و الحقيقة في العقل بالواجب دون ممكن، فلو كان للواجب ذات سوى الوجود لم يمتنع حصولها في العقل ... إلى آخره. و قريب منه ما ذكره في «گوهر مراد»[٢].
أقول: قد عرفت أنّ الواجب غير محدود، و الممكن محدود، و لا يعقل إحاطة المحدود بغير المحدود و إن كان ذا ماهية مغايرة للوجود، فما ذكره أخيراً غير تمام و لصاحب الأسفار كلام يناسب ذكره هنا، قال[٣]: أمّا أنّ حقيقة الواجب غير معلومة لأحد بالعلم الحصولي الصوري فهذا مما لا خلاف فيه لأحد من الحكماء و العرفاء، و قد أقيم عليه البرهان. كيف، و حقيقته ليست إلّا نحو وجوده العينى الخاص به؟ و ليس الوجود الخاص للشيء متعدداً، فلا يمكن تحققه في الذهن، و إلا لزم الانقلاب، بخلاف الماهية فإنّها أمر مبهم لا يأبى تعدد أنحاء الوجود لها، و العلم بالشيء ليس إلا نحواً من أنحاء وجود ذلك الشيء للذات المجردة. و أمّا أنّ حقيقته غير معلومة لأحدٍ علماً اكتناهياً و إحاطياً عقلياً أو حسّياً فهذا أيضاً حقّ لا يعتريه شبهة؛ إذ ليس للقوى العقلية أو الحسّية التسلط عليه بالإحاطة و الاكتناه، فإنّ القاهرية و التسلط للعلة بالقياس إلى المعلول و المعلول إنّما هو شأن شؤون علته، و له حصول تام عندها، و ليس لها حصول تام عنده. و أمّا أنّ ذاته لا يكون مشهوداً لأحد من الممكنات أصلًا فليس كذلك، بل لكلّ منها أن
[١] - ١/ ١٠٧.
[٢] -/ ١٣٩.
[٣] - الأسفار ١/ ١١٣.