صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧١ - المطلب الثاني عشر في امتناع الاكتناه بحقيقته تعالى
المطلب الثاني عشر: في امتناع الاكتناه بحقيقته تعالى
لا يسع الممكن أن يدرك كنه ذات الواجب تعالى، فإنّ جميع قواه العقلية و الجسمية محدودة، و الواجب غير متناه. فلو أحاط الممكن به- و لو إجمالًا- لزم الخلف من أحد الجانبين.
و عن السجاد (ع)[١]: «لبعده أن يكون في قوى المحدودين؛ لأنّه خلاف خلقه».
دليل اخر، و هو: أنّ حقيقته تعالى ليست بضروري التصور، فإن أمكن بمعرفتها فبالكسب و النظر، لكنّه في المقام غير ممكن، فإنّ الرسم لا يفيد عرفان حقيقة المعرف، مع أنّه لا عوارض للواجب. و الحد متفرع على تركب المحدود من الجنس و الفصل المنفيّين عن الواجب البسيط. نعم، يمكن أن يقال بعدم انحصار تحصيل المسائل النظرية بالتعريف، بل يمكن حصولها بإلهام الله تعالى روحيه لكنّ جريان ذلك في المقام محلّ نظر. فهذا الدليل، غير تامّ.
وجه آخر: إدراك الشيء ظهوره عند المدرك و تجلّيه عليه، و هو إمّا بالصفة، أو بالكينونة، و الثاني يستحيل في درك الأثر للمؤثر؛ لأنّ كينونة ذات الأثر رتبة صفة المؤثر، لا ذاته، فلا يصل إليها، بل منقطع دونها؛ لامتناع خروج الشيء عن مقام ذاته، فنفسه حجابه. ذكره بعضهم[٢]، و فيه نظر.
و استدل بعض المتكلمين على نفي وقوع معرفته- دون إمكانها- بوجهين اخرين[٣]:
١- إنّ المعلوم منه أعراض عامة كالوجود، أو سلوب، كالوجوب، أو إضافات. و لا شك أنّ العلم بها لا يوجب العلم بالحقيقة، بل يدل على أنّ ثمّة حقيقة متميزة في نفسها عن سائر الحقائق.
[١] - على ما في البحار ٣/ ٣٠٨.
[٢] - أنوار التوحيد/ ٦١.
[٣] - شرح المواقف ٣/ ١١٦.