صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٢ - المطلب السابع في إبطال وحدته تعالى مع مخلوقه
تلك المرتبة، بل عين الفقر إليها، و اذا سئلوا بأن الفقر ينافي الوجوب، يجيبون بعدم المنافاة؛ لأنّ هذا الفقر فقر إلى نفس الحقيقة، و الافتقار المنافي للوجوب هو الفقر إلى الغير، لا فقر الشيء إلى نفسه.
أقول: و هو كما ترى. و قال صاحب الأسفار[١]: فكذلك هداني ربّي بالبرهان النيّر العرشي إلى صراط مستقيم، من كون الموجود و الوجود منحصراً في حقيقة واحدة شخصية، لا شريك له في الموجودية الحقيقة، و لا ثاني له في العين، و ليس في دار الوجود غيره ديّار.
و كلما يتراءى في عالم الوجود أنّه غير الواجب المعبود فإنّما هو من ظهورات ذاته و تجلّيات صفاته التي هي في الحقيقة عين ذاته[٢]. انتهى.
و قال في مقام آخر: إنّ لجميع الموجودات أصلًا واحداً و سنخاً فارداً هو الحقيقة، و الباقي شؤونه، و هذا الذات و غيره أسماؤه و نعوته، و هو الأصل و ما سواه أطواره و شؤونه، و هو الموجود و ما وراءه جهاته و حيثياته. و لا يتوهّمنّ أحد من هذه العبارات أنّ نسبة الممكنات إلى ذات القيّوم تعالى نسبة الحلول، هيهات، إنّ الحالية و المحلّية ممّا يقتضيان الاثنينية في الوجود بين الحالّ و المحلّ، و ها هنا- أي عند طلوع شمس التحقيق من أفق العقل الإنساني المتنور بنور الهداية و التوفيق- ظهر أن لا ثاني للوجود الواحد الأحد الحق، و اضمحلّت الكثرة الوهمية، و ارتفعت أغاليط الأوهام ... إلى أن قال:
فما وضعناه أولًا أن في الوجود علةً و معلولًا بحسب النظر الجليل، قد آل آخر الأمر بحسب السلوك العرفاني إلى كون العلة منهما أمراً حقيقياً و المعلول جهة من جهاته، و رجعت علّية المسمّى بالعلة و تأثيره للمعلول إلى تطوره بطور و تحيّثه بحيثية، لا انفصال شيء مباين عنه[٣]. انتهى.
و قال في موضع آخر: و أشبه التمثيلات في التقريب، و التمثيل بالواحد و نسبته إلى مراتب الكثرة ... فإنّ الواحد أوجد بتكرره العدد، إذ لو لم يتكرر الواحد لم يمكن حصول العدد، و ليس في العدد إلا حقيقة الواحد لا بشرط شىء، لست أقول: بشرط لا شيء و بينهما من الفرق كما بين الوجود المأخوذ لا بشرط، أي طبيعة الوجود الذي عمومه باعتبار شموله و انبساطه، لا باعتبار كليته و وجوده الذهني ... و بين الوجود المأخوذ بشرط لا شيء و هو المرتبة الأحدية عند العرفاء و تمام حقيقة الواجب عند الفلاسفة، و الأول هو حقيقة الحق عند العرفاء؛ لإطلاقه
[١] - الأسفار الأربعة ٢/ ٢٩٢.
[٢] - الأسفار الأربعة ٢/ ٢٩٢.
[٣] - الأسفار الأربعة ٢/ ٣٠٠.