صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٣١ - المورد الثاني أطفال المشركين
و صحيحة عبد الله بن سنان[١] قال: سالت أبا عبد الله (ع) عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث؟ قال: كفار، و الله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم. و قال (ع): «يؤجّج لهم ناراً فيقال لهم: ادخلوها، فإن دخلوها كانت عليهم برداً و سلاماً، و إن أبوا قال لهم الله عزّ و جلّ: هو ذا قد آمرتكم فعصيتموني، فيأمر الله عزّ و جلّ بهم إلى النار».
أقول: و من الواضح أنّ عذاب من لم يكن مكلّفاً و لم تتمّ عليه الحجة ظلم ينافي عدله تعالى، و لذا حمل الشيخ الصدوق (قدس سره) الروايات المذكورة على البرزخ، حيث قال[٢]: و أطفال المشركين و الكفّار مع أبائهم في النار؛ لا يصيبهم من حرّها، لتكون الحجة أوكد عليهم، متى أمروا يوم القيامة بدخول نارٍ تؤجّج لهم، مع ضمان السلامة متى لم يثقوا به، و لم يصدقوا وعده تعالى بشيء قد شاهدوا مثله.
لكنّه حمل بعيد بلا شاهد، بل الرواية الأولى كالنصّ على خلافه، فلا عبرة به.
و قال العلّامة المجلسي (قدس سره)[٣]: و الأظهر حملها على التقية؛ لموافقتها لروايات المخالفين و أقوال أكثرهم.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف العلماء في من مات من أطفال المشركين، فمنهم من يقول: هم تبع لأبائهم في النار، و منهم من يتوقف فيهم، و الثالث- و هو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون- أنّهم من أهل الجنة. انتهى كلامه.
أقول: قد تقدم في الجزء الأول[٤] أنّ أكثرهم حكموا بخلود أطفال الكفار في النار! لكنّ الحمل على التقية موقوف على صحة إسنادها، و إلا فطرحها متعيّن. و الرواية الأولى مرسلة، و وهب أكذب البرية، كما قال بعض الرجاليين. و الرواية الثانية أيضاً مرسلة، فالعمدة هي الثالثة، إلّا أنّ ذيلها يفسّر صدرها، فلا تنافي عدله تعالى، كما لا يخفى.
لكنّ الظاهر من الفقيه و الحدائق أنّ قوله (ع): «يؤجج لهم ناراً ...» إلى آخره، رواية مرسلة مستقلّة، لا أنّه من تتمة الصحيحة، كما يظهر من البحار (الطبعة الحديثة).
فالصحيح أن يقال: إنّ الروايات الدالة على تكليف الأطفال في القيامة و دخولهم في النار بعد مخالفتهم للأمر المتوجه إليهم، تقيّد إطلاق هذه الصحيحة بصورة مخالفتم للتكليف الموجّه إليهم و عصيانه، فالمستفاد من مجموع الروايات لا يكون منافياً للقواعد القطعية العقلية،
[١] - المصدر السابق/ ٢٩٥.
[٢] - من لا يحضره الفقيه الطبعة الحديثة ٣/ ٣١٨.
[٣] - البحار ٥/ ٢٩٥.
[٤] -/ ٥٥.