صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٢١ - الفائدة الرابعة في أن وجوب الرزق بنحو الإيصال أم لا بد من السعي
الجهة، و لا دلالة على عدم مدخلية السعي و بطلان تأثيره فيه، بل الطائفة الأخيرة من الأخبار بين ما هو صريح في مدخليته فيه، و بين ما هو ظاهر فيها.
و على الجملة: معنى قسمته تعالى الرزق للحيوان و ضمانه إيّاه له: أنّه يخلق و يوجد ما ينتفع هو به و يهيّؤه له حتى تصاحبه بالسعي و الكسب، لا أنّه يوصله إليه و إن لم يسع نحوه، كما يدلّ على ذلك: قوله (ع) فيما مرّ: «لو كان العبد في حجر لأتاه الله برزقه، فأجملوا في الطلب»، فجمع (ع) بين وجوب الرزق عليه تعالى، و الطلب الجميل.
و يدلّ عليه أيضاً: قول رسول الله (ص) في حجة الوداعٍ كما في صحيحة الثمالي عن الباقر (ع)، و هو مروي في جملة من الأخبار المختلفة سنداً و متناً: «ألا إنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتّقوا الله و أجملوا في الطلب و لا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإنّ الله تبارك و تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالًا، و لم يقسّمها حراماً، فمن اتّقى الله و صبر أتاه الله برزقه من حلّه، و من هتك حجاب الستر و عجّل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال و حوسب عليه يوم القيامة».
فقد ذكر (ص) لا بدّية استكمال الرزق مع الأمر بالطلب، و جعلها مغنية عن طلب الحرام، و الروايات الدالة على هذا المضمون- و هو عدم احتياج العبد إلى الحرام بما قدّره الله له من الحلال- كثيرة، فاتقن ذلك حتى تعرف أنّ الطائفة الأولى من الأخبار ناظرة إلى نفي حرص العبد في تحصيل رزقه و لو من المحرّمات، و تسديده من الوقوع في الهلكات، و راحة باله من قلّه الزاد و لا نظارة لها إلى سقوط السعي عن التأثير بتاتاً، ألا ترى أنّ القرآن ينادي: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[١]، وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[٢]، وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ[٣]، نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ[٤]، وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ[٥]، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ[٦].
[١] - هود ١١/ ٦.
[٢] - الطلاق ٦٥/ ٢ و ٣.
[٣] - العنكبوت ٢٩/ ٦٠.
[٤] - الزخرف ٤٣/ ٣٢.
[٥] - الذاريات ٥١/ ٢٢.
[٦] - الذاريات ٥١/ ٢٣.