صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣١٨ - الفائدة الرابعة في أن وجوب الرزق بنحو الإيصال أم لا بد من السعي
ثم هل يشترط السعي في إيصال الرزق إلى العبد و وجوبه عليه تعالى، أو يجب عليه و إن جلس في بيته و ترك الطلب و السعي من رأسه. قال بعض بوجوب القدر الضروري، و هو ما يمسك به الحياة. و قال البعض: لا يجب إلا لمن ألقى عنان التوكّل إليه؛ لقوله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[١].
و قال بعض العلماء المحدّثين بعد نقل القولين: و الحق أنّ مثل هذا الإيصال غير واجب عليه سبحانه. نعم، ربّما تفضّل به، و لا مانع من التفضّل.
أقول: مقتضى جملةٍ من الآيات و الأخبار الماضية و الآتية: أن الله وعد أن يوصل الرزق المقدّر للعبد إليه و إن لم يطلبه و لم يأته، بل لو كان في حجرٍ لآتاه رزقه، كما نصّوا عليه- عليهم الصلاة و السلام- هنا، و تشهد له جملة من القصص السالفة و الآتية. و أمّا معرفة أنّه على وجه الوجوب عليه تعالى أو على وجه التفضّل منه فلا فائدة و لا حاجة لنا في معرفته، و تحقيقه في المقام.
و أمّا ما ورد في الأحاديث و التفاسير ممّا يخالف ظاهرها مثل ... فهي محمولة على فضل طلب الرزق، أو توسعته، أو على انتظام أمور الدنيا، أو على عدم سدّ العبد على نفسه الطرق العادية لإيصاله تعالى رزقه إليه بسوء اختياره، أو على مراتب العباد في ذلك، و نحوها. انتهى ما أردنا نقله من كلامه.
أقول: المرتزق إمّا أن يمكنه السعي، أو لا، كالنبات و عجزة الحيوان، و الثاني يجب إيصال رزقه على التحكيم المدبر؛ ما دامت إرادته متعلّقة ببقائه، لما مرّ، و الأول: إمّا أن يتوقف رزقه على السعي، أو لا، كالهواء مثلًا.
و على الثاني لا معنى للسعي نحوه.
و على الأول: فإمّا أن يحصل بدونه اتفاقاً، كالأموال الحاصلة بالهدية و الهبة و اللقطة و الميراث و نحوها. و إمّا أن لا يحصل. فعلى الأول لا معنى أيضاً للسعي حتى بنحث عن تأثيره. و على الثاني فهل يشترط السعي نحوه أو لا؟ هذا هو محلّ البحث.
فإن فرضنا تعلق إرادة الله سبحانه على بقاء الحيوان على كل تقدير فلا ريب في عدم مدخلية السعي في وصول الرزق، و إلا فهو شرط فيه قطعاً. هذا في مقام الثبوت، و أمّا في مقام الإثبات فلا دليل معتمداً عليه على الشقّ الأول، و إليك بيان عمدة ما استدل الفاضل المتقدم عليه[٢]:
[١] - الطلاق ٦٥/ ٣.
[٢] - لاحظ لآلي الأخبار تجد الأخبار المذكورة ٢/ ٥١.