صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣١٧ - الفائدة الرابعة في أن وجوب الرزق بنحو الإيصال أم لا بد من السعي
الفائدة الثانية: درجات الرزق
للرزق درجات: الدرجة الأولى: ما تتوقّف عليه الحياة، و يسمّى بسدّ الرمق.
الدرجة الثانية: ما يرتفع به المضيقة المانعة من حصول أثار الحيّ المطلوبة منه، كالعبادة من المكلف مثلًا، و الركوب، حمل الثقال من بعض الحيوان مثلًا.
الدرجة الثالثة: ما يحصل به اللذّة و الراحة، و له مراتب مختلفة.
أقول: لا يعتبر في الأول الحلّية، فيجوز أو يجب الارتزاق بأي مأكول عند الضرورة، و الثانية ليست من الحياة الدنيا، بل هي من الحياة الطيبة، و الثالثة محفوفة بالزهد و القناعة، و تفصيله في المباحث الاقتصادية مهم.
الفائدة الثالثة: في الوجوب و درجات الرزق
الجسم النامي له يكفي نفس وجوده لاستمراره و بقائه، بل لا بد من استمداده و تمتّعه بأشياء خارجة عن ذاته، كالهواء و الماء و الطعام و اللباس و المسكن و نحوها، فما دام يريد الله وجود الجسم المذكور فلا بد من إيصال هذه الأمور إليه؛ لئلّا يهلك فيلزم نقض الغرض القبيح.
فمن هنا انقدح أنّ الرزق بمرتبته الأولى و الثانية واجب عليه تعالى بحسب حكمته، و تعلّق إرادته النافذة ببقاء المرتزق المذكور؛ ضرورة أنّ حفظ المسبّب إنّما هو بوجود أسبابه، و يدلّ عليه- أي على الوجوب المذكور- أيضاً قوله تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[١].
و أمّا الزائد على هذه المرتبة فهو تفضّل منه سبحانه، يعطي حسب تفاعل الأسباب من يشاء: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[٢].
الفائدة الرابعة: في أن وجوب الرزق بنحو الإيصال أم لا بد من السعي
بعد ما ثبت أنّ الرزق واجب على الله تعالى مادام أراد بقاء المرتزق، يقع الكلام في أنّ وجوبه هل هو بنحو الإيصال إلى المرزوق بحيث لو لم يجهد في طريقه و قعد في بيته لوجب عليه تعالى أن يوصله إليه، أو لا، بل هو بنحو لا يستغني عن سعى القادر إليه؟ لم أفز عاجلًا بكلام أحدٍ تعرّض للمقام إلا بعض الأفاضل، و إليك نصّ كلامه[٣]:
[١] - الأنعام ٦/ ٣٨.
[٢] - حجر ١٥/ ٢١.
[٣] - لآلي الأخبار، للشيخ محمد نبي التويسركاني ٢/ ٥٨.