صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٠١ - الجهة الأولى ما يوجب اتصاف الإيلام بالحسن
٣- الدفاع، فإنّ قتل من قصد قتل شخص بلا جهة مبرّرة حسن لا قبح فيه، فضلًا عن جرحه و إيلامه، بل هو واجب بمناط وجوب دفع الضرر فطرة.
٤- جريان سنّة الله تعالى و سريان عادته، فإن سنّته لا تقبل التبديل و التحويل، فإذا وقع صبّي في النار أو ألقاه ظالم فالله تعالى و إن كان قادراً على حفظه، لكنّه يخلّي بينه و بين النار لتحرقه و يحرق قلب كل من يحب الصبي المظلوم! فإنّه تعالى أجرى عادته على تأثير الأسباب في المسبّبات مهما كان شكل الواقعة و شأن النتيجة.
ثم إنّ الأقسام الثلاثة المتقدمة مشتركة في حق الخالق و المخلوق، فإنّه كما يحسن لله تعالى أن يؤلم عبداً انتقاماً منه على جريرته، أو لأجل إيصال نفع أعظم من ألمه إليه أو دفع ضرر كذلك كأن يمرضه ليقعد في بيته، و لا يقتل في السوق فيما إذا علم الله أنّه لو دخل السوق لقتل، أو لأجل الدفاع عن عبد مظلوم، كذلك يحسن لزيد- مثلًا- أن يؤلم بكراً انتقاماً أو دفاعاً عن نفسه، أو لإيصال نفع كثير إليه، أو دفع ضرر عنه.
و لكنّ القسم الأخير مختصّ بالله تعالى، و لا يجري في حقنا؛ إذ لا شك في تقبيح من لا يخرج الصبي عن النار مع قدرته عليه، ضرورة وجوب حفظ النفس المحترمة عن الهلاك.
لا يقال: العقل كما يرى حسن حفظ الصبي- مثلًا- للمخلوق كذلك لله سبحانه، و لا معنى للتبعيض.
فإنّه يقال: نعم، لكن هناك مصلحة أهمّ من حياة الطفل المذكور مثلًا. فهو حكيم مطلق يراعي أهم المصلحتين في صورة التزاحم.
فالعقل و إن لم يحط بتلك المصلحة تفصيلًا لكنّه يذعن لها إجمالًا بعد ما اعترف بحكمة الله البالغة و عدالته الكاملة، على أنّه يمكن أن نكشف بعض السرّ من جريان عادته بتأثير الأسباب في المسبّبات، و هو: أنّ أهمّ الأمور عند الله تعالى رواج الديانة و الشريعة بين الناس؛ ليبلغوا أقصى سعاداتهم و كمالاتهم، و قد تقدم أنّ الإنسان الذي جعل لأجله ما في الأرض و بناء السماء خلق للرحمة الموقوفة على العبادة. هذا من جهة.
و من جهة أخرى أنّه لا ريب في أنّ العبادة و رواج الديانة لا يتحققان إلّا بإرسال الرسل، و لا يمكن معرفة الرسل إلّا بالمعجزات، كما سيأتي بحثه- إن شاء الله- فيما بعد، و ليست المعجزة إلّا خرق العادات و بطلان تأثير الأسباب في المسبّبات العادية، أو تأثير أسباب خفية أقوى غير مألوفة للناس في المسبّبات، فلو أبطل الله تعالى تأثير النار لحفظ صبيّ، و تأثير الجوع و العطش لبقاء كبير، و تأثير الهدم والخرق و الغرق لصحة زيد و راحة بكر- مثلًا- في كل زمان و مكان، لأصبحت الأفعال الخارقة أموراً عادية لا تتوجه إليها الأنظار أبداً، بل يصير كل