صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٧٣ - التحطئة و التصويب
و أمّا الفرعيات الشرعية فقالوا: إن كان عليهما دليل قاطع فالمصيب فيها واحد، و إن لم يكن عليها دليل قطعي فبعد استفراغ الوسع لا إثم عليه و إن أخطأ، بلا خلاف إلا من بعض العامة، و لكنّهم اختلفوا في التخطئة و التصويب.
فقيل (كما عن القاضي و الجبائي و جماعة من أهل الخلاف): لا حكم معيّن لله تعالى فيها، بل حكمه تعالى تابع لنظر المجتهد و ظنّه، فما أدّى إليه ظنّه فهو حكم الله تعالى في حقه و حق مقلّديه، فكل مجتهد مصيب!
و قيل: إنّ الله تعالى في كل مسألة حكماً معيناً، أصابه المجتهد أم أخطأه، و هذا هو مذهب الإمامية، كما عن العلامة و الشهيد الثاني (قدس سره).
قال صاحب القوانين[١]: ثم القائلون بالتخطئة من العامة اختلفوا، فقال بعضهم: إنّ الله لم ينصب دليلًا على ذلك الحكم المعيّن، و هو بمنزلة الدفين فمن عثر عليه من باب الإنفاق فله أجران، و من لم يصب فله أجر واحد على اجتهاده.
و قال بعضهم: إنّه نصب عليه دليلًا، فقيل: إنّه قطعي، و قيل: إنّه ظنّي ...
و القائلون بأنّه ظنّي اختلفوا، فقيل: إنّه لم يكلف بإصابة ذلك الدليل، لخفائه و غموضه ... و قيل: إنّه مأمور بالطلب أولًا، فإن أخطأ و غلب على ظنّه شيء آخر انقلب التكليف و سقط عنه الإثم.
أقول: جميع هذه الأقوال بإطلاقها مزيّفة، و الحق أنّ الأحكام بأسرها مخزونة عند الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) من طريق النبي الأكرم (ص)، كما أشرنا إليه في القاعدة الثانية، فبعضها وصل إلى الناس و لم يخالفوا فيه فكان متفقاً عليه بينهم، و بعضها وصل و لكن لم يصبه الجميع، بل أخذه جماعة و أخطأه الآخرون، و هذا المختلف فيه ربّما يكون دليله قطعياً و ربّما ظنّياً، و المجتهد إنّما يكون مأموراً باستنباط الأحكام من أدلتها المعتبرة، لا بإصابة الواقع فإنّه خارج عن قدرته، فإذا استنبط الحكم من الأدلة فإن وافق الواقع فهو، و إلا فالحكم باق بحاله، المجتهد معذور، مأمور بالعمل بهذا الحكم الظاهري غير المنافي للحكم الواقعي المخالف له، كما قرّر وجهه في أصول الفقه تفصيلًا.
و أمّا الدليل على صحة ما ذهب إليه أصحابنا من التخطئة وجوه كما حرّروها في أصول الفقه: فمنها: إجماع أصحابنا الإمامية عليها.
و منها: سيرة الصحابة على تخطئة بعضهم البعض، و هي منقوله بالتواتر أو قريب منه.
[١] - قوانين الأصول ٢/ ٢١٠.