صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٧٠ - شروط التكليف و المكلف به و المكلف
أعني إيجاد شيء و عدمه في آن واحد، فهو من التكليف بالمحال، لا من التكليف المحال، و ليس للواجب جلّ و علا شوق و رضا و بغض و كراهة نفسية ليكون الأمر كاشفاً عن شوقه، و النهي حاكياً عن كراهته، فيمتنع؛ لعدم تعلق الحب و البغض بشيء واحد من حيثية واحدة، و لا تتعلق الإرادة و الكراهة التكوينيتان بالأحكام المذكورة لكي يقال بامتناع تعلقهما بشيء واحد؛ و ذلك لأنّ الأحكام اعتبارية محضة كما قلنا أولًا.
و التحقيق: أنّ ملاك الاستحالة هو تبعية أفعاله- تكوينية كانت أو تشريعية- للمصالح و المفاسد، فأمره بشيء يدل على وجود مصلحة خالصة أو غالبة فيه، و نهية يكشف عن مفسدة كذلك، و من الواضح امتناع اجتماع المصلحة و المفسدة كذلك في شيء واحد. و منه ينبثق أنّ التكليف المحال لا يعقل على مسلك من أنكر تبعية أفعاله للأغراض من منكري الحسن و القبح العقليين.
إلا أن يقال: إنّ اعتبار وجوب شيء مثلًا اعتباراً جدّياً لا صورياً ينافي اعتبار حرمته كذلك تنافياً واضحاً؛ و لا يمكن اجتماعهما أبداً، فتحقق التكليف المحال غير موقوف على مسلك العدلية، لكنّ المقام بعد محتاج إلى مزيد تأمل و تدبر.
و أمّا المكلّف به فيغتبر فيه:
أولًا: أن يكون في فعله مصلحة أو في تركه مفسدة، و إلا كان تعلق الحكم به ترجيحاً بلا مرجح، و تكليفه تعالى الناس به، لغو، تعالى عنه. نعم، في الأوامر و النواهي الامتحانية لا يعتبر ذلك، بل المعتبر فيها وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الأمر أو النهي، و إن خلّي عنهما متعلق الأمر و النهي المذكورين.
و ثانياً: أن لا يكون بمحال، بل و لا غير مقدور حين الامتثال، فإنّه قبيح بلا خفاء، و الأشعريون حيث لا يلتزمون- لساناً- بالحسن و القبح العقليين يقولون[١]: تكليف ما لا يطاق جائز عندنا! و يريدون به: ما لا يطاق عادة، مثل تكليف الأعمى نقط المصاحف، و الزمن المشي إلى أقاصي البلاد! بل عن شرح المقاصد: التكليف بالممتنع لذاته جائز، بل واقع عند كثير من المحققين! كتكليف أبي لهب بالإيمان بأنّه لا يؤمن، و نقله عن إمام الحرمين و الرازي أيضاً.
أقول: ظاهر الرازي في تفسيره الكبير في ذيل سورة أبي لهب: أنّ جواز التكليف بالممتنع الذاتي بل وقوعه مذهب جميع أهل السنّة!!
لكنّ سنّة الله تعالى على عدمه، كما قال في كتابه العزيز: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا
[١] - لاحظ شرح المواقف ٣/ ١٦٠.