صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٦٩ - شروط التكليف و المكلف به و المكلف
الشارع فهو حسن: إمّا كشفاً و إنّا كما عليه أهل الحق، و إمّا لمّاً و علّةً كما عليه منكروا الأحكام العقلية، و قد يعبّر عنه بالحكم العقلي بالمعنى الأعم، و إنّما الكلام في حسن التكليف المذكور تفصيلًا، و أنّ العقل هل يدرك حسنه مع قطع النظر عن فعل الشرع، أو لا يدركه؟ و يعبّر عنه في كلام بعضهم بالحكم العقلي بالمعنى الأخصّ. و يقع الكلام أيضاً في أنّه بعد حسنه هل يجب على الله الحكيم، أو لا؟
و قبل الدخول في هاتين الجهتين لا بد أولًا من تحقيق شروط التكليف، و المكلف به، و المكلف (بالفتح). و أمّا بيان ما يعتبر في المكلّف- بالكسر- فغير لازم، بعد ما مرّ من أنّ الله تعالى مستجمع لجميع الصفات الكمالية، و أنّه مالك الموجودات الممكنة. نعم، ما ذكره بعض المتكلمين من اعتبار علمه بقدر ما يستحق المكلّف- بالفتح- من الثواب و العقاب، و قدرته على إيصال المستحق حقه غير صحيح، بناءً على عدم حكومة العقل باستحقاق الممتثل للثواب، كما يأتي بحثه في مبحث المعاد. و أمّا العقاب فاستحقاقه للعاصي و إن كان ثابتاً عقلًا- و لو في الجملة- غير أنّ العلم بمقداره و القدرة على إيصاله غير معتبرين في صحة التكليف و حسنه و لزومه.
شروط التكليف و المكلّف به و المكلّف:
أمّا التكليف فيعتبر فيه:
أولًا: انتفاء المفسدة عنه، أو مفسدة غالبة على مصلحته، أو مصلحة المكلف به، و الظاهر أنّ تدريجية تشريع الأحكام الشرعية تتفرّع على هذا الأمر، فإنّ الصلاة- مثلًا- كانت ناهية عن الفحشاء و المنكر في أول البعثة أيضاً، غير الله تعالى لم يفرضها على الناس تسهيلًا عليهم، و ترغيباً لهم في قبول الإسلام؛ إذ لو أوجب العبادات كلها دفعة واحدة لم يتحمّلها كثير منهم و لرفضوها، و هو مفسدة عظيمة لهم لحرمانهم به من السعادة العظمى، بل دخولهم النار الكبرى.
و ثانياً: أن يصل في وقت يتمكن المكلف من إتيان العمل، و لا يكون وصوله بعد وقت العمل.
و ثالثاً: أن يكون ممكناً، ضرورة عدم تحقق التكليف المحال، كأن يأمر بشيء ثم ينهى عنه بعينه في زمان و حال واحد، و هذا ظاهر.
و إنّما الكلام في استحالة التكليف المذكور، فإنّ الأحكام الخمسة بأسرها أمور انتزاعية عقلية، و لا مانع من اعتبار الفعل و تركه على ذمة المكلف فينتزع العقل منه الوجوب و الحرمة، فإنّه بمكان من الإمكان. نعم، لا يتمكن المكلف من امتثالهما خارجاً؛ لاستحالة المكلف به،