صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٤ - الفصل السادس في دفع بعض ما أورد أو يمكن أن يورد على المختار، و هو أمور
و الماءين العذب و المالح، فهما مركوزتان في طبع كلّ شخص، فيكون له ميل إلى الى الأعمال الصالحة، و ميل إلى الأعمال السيئة، غير أنّ أحد الميلين أقوى من الآخر حسب أقوائية طينته، فأين الجبر والاضطرار؟!
و أمّا مصير الطينة إلى الجنة أو النار فهو محمول على مضيِّ حاملها على طبق مقتضاها، لا مطلقاً، كما يؤيده رواية جابر الجعفي الصحيحة[١]، عن أبي جعفر، عن آبائه، عن أميرالمؤمنين (ع) ففيها: ثم اغترف غرفة أخرى من الماء المالح الأجاج فصلصلها في كفّه فجمدت، ثم قال لها: منك أخلق الجبّارين، و الفراعنة، و إخوان الشياطين ..»، قال: «و شرط في ذلك البداء فيهم، و لم يشترط في أصحاب اليمين البداء، ثم خلط الماءين» ... إلى آخر.
رواها القمّي و العياشي و الصدوق قدّس الله أرواحهم، فاشتراط البداء دليل على أنّهم لو أطاعوا الله لصاروا إلى الجنة. نعم، يشكل الأمر في عدم اشتراطه في أصحاب اليمين، و لابد من توجيهه.
و مرسلة عمار، عن الصادق (ع)[٢] ...: «ثم قبض (الله) قبضة من كتف آدم الأيمن فَذَراها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في الجنة و لا أبالي ثم قبض قبضة من كتف آدم الأيسر فذرأها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في النار و لا أبالي، و لا أسال عمّا أفعل، ولي في هؤلاء البداء بعد، و في هؤلاء، و هؤلاء سيبتلون ... إلى آخره.
٢- الالتزام باقتضاء الطينة للأخلاق و الأعمال، و إن كان أحسن من التباني على علّيتها لها إلّا أنّه أيضاً ينافي عدله تعالى؛ إذ كيف يحسن منه تعالى أن يجعل في الناس ما يقتضي المعاصي و الآثام.
قال قائل: إنّ هذه الأخبار و لو بمعنى أقربية الشخص إلى الكفر بسبب الطينة مستلزمة لتبعيض لطفه تعالى بالنسبة إلى العباد، و هو ظلم.
أقول: للإشكال ظاهر وجيه، غير أنّه ضعيف الأساس عند التدقيق؛ إذ نقول: أليس تقديره تعالى و لادة أحدٍ من أبوين كافرين مقتضٍ لكفره، أو تقديره سكونة شخص في بلدة خبيثة مقرباً له للفسق و الفجور؟! أهذا ظلم منه تعالى؟ أليس من المحسوس تفاوت أفراد الناس في قواهم العقلية و الكفرية و الشهوية و الغضبية، أليس هذا تبعيضاً للطفه؟! أهذا ظلم؟ و إن من شيء إلّا
[١] - البحار ٥/ ٢٣٧، و اعتبار الرواية مبنيّ على أنّ كلّ من وقع في إسناد روايات كتاب ابن قولويه« كامل الزيارات» ثقة، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه، فلا حظ، و المقام لا يسع الكلام ...، و إلّا فبعض رواة هذا الخبر لم يوثق في كتب علم الرجال المعروفة المتداولة.
[٢] - البحار ٥/ ٢٥٥.