صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٢ - الفصل الخامس في تحقيق المقام و بيان المختار
الفصل الخامس: في تحقيق المقام و بيان المختار
و حيث هذه الأقول لم تفد لحلّ المشكلة شيئاً. فنقول: إنّ الطينة الطيبة مقتضية للإيمان و الأفعال الصالحة، و الطينة الخبيثة مقتضية للميل إلى الكفر و المعصية، على حسب اختلاف مراتب الطينتين المذمور تين شدّةً و ضعفاً، و ليستا علّتين تامّتين للطاعة و المعصية، ليلزم الجبر الباطل حسّاً و شرعاً، و ليقبح العقاب على تمرّد المكلفين.
و بالجملة: الطينة المذكورة و إن توجب الميل إلى ما تسانخه من العقائد و الأفعال، إلّا أنّ الميل المذكور قابل للزوال، و علي فرض ثبوته لا يستلزم التحرّك ألى العمل، بل يمكن حيلولة بعض الأمور بينهما، مثل: لحاظ أمر الله سبحانه، و خوف العقاب، و طمع الثواب، و نحو ذلك، و هذا التفاوت الحاصل في المكلّفين من قبل الله تعالى لا قبح فيه أبداً، كما ستعرف وجهه.
بحث أخلاقي في تأكيد المرام:
اختلفوا في جواز انتقال الأخلاق وعدمه على أقوال:
فذهب جماعة إلى أنّها طبيعية لا يمكن زوالها، كحرارة النار مثلًا.
و قالت طائفة أخرى- و هم الحكماء المتأخرون، و منهم المحقق الطوسي[١]-: إنّه لا شيء من الأخلاق بطبيعية و لا مخالفة للطبيعة، بل لكل شخص التخلّق بما يشاء بسهولة إن كان الخلق موافقا لمقتضى مزاجه، أو بصعوبة إن كان مخالفاً له، و قالوا: كلّ خلق عرض على أو جماعة علّته اختيارية، لكن تصيّره الممارسة و المداومة ملكة، و استدلّوا على مذهبهم بأنّ كل خلق قابل للتغيّر، و كل متغيّر ليس بطبيعي، فينتج: أنّ كل خلق لا يكون طبيعياً، أمّا الصغرى فبالضرورة، و وجوب التأديب و حسن الشرائع. و أمّا الكبرى فهي بيّنة؛ إذ كل أحد يعلم أنّ حرارة النار لا تنفكّ عنها، و ميل الماء إلى الأسفل لا يزول عنه أصلًا.
و فصّل قوم ثالث فقالوا: إنّ بعض الأخلاق طبيعية، و تعضها عادية ترسخ في النفس بالممارسة و المباشرة.
أقول: خير هذه الأقوال و أصحها أوسطها؛ لصحة دليله و متانة تقريبه.
و منه ظهر أنّ الأخلاق الموروثة من اختلاف مراتب الطينة ليست بطبيعية، بل يمكن إزالتها و لو بعد العمل بمقتضاها في برهة من الزمان.
ثم إنّ الأخلاق- حميدة كانت أو رذيلة- لا تكون عللًا تامة لصدور ما يناسبها من الأفعال، و لذا يرى أنّ صاحب ملكة العدالة قد يخرج عن خدّ الاعتدال لمانع، و المتخلّق بالفجور قد
[١] - أخلاق ناصري/ ٨١.