صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٠ - الفصل الرابع في قياس المسألة و عرضها على القواعد العقلية و النقلية و ذكر الأقوال فيها
الطينة على عالم الذرّ، فهذا القول أيضاً ساقط.
الخامس: أنّ هذه الروايات كناية عن اختلاف استعدادهم و قابلياتهم، و هذا أمر بيّن لا يمكن إنكاره، فإنّه لا شبهة في أنّ النبي (ص) و أبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد و القابلية، و هذا لا يستلزم سقوط التكليف، فإنّ الله تعالى كلّف النبي (ص) حسب ما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات، و كلّف أبا جهل ما أعطاه من ذلك، و لم يكلّفه ما ليس في وسعه، و لم يجبره على شيء من الشر و الفساد.
أقول: إنّ الروايات صريحة في اختلاف الطينة الموجب لتفاوت الاستعدادات، لا أنها كناية عنه. هذا أولًا.
و ثانياً: أنّ استعداد أبي جهل- مثلًا- للرذيلة أكثر من استعداده للكمالات، كما عرفته ممّا سبق، فيلزم من هذا القول لزوم تكليفه بالرذائل، فافهم.
و ثالثاً: أنّ اختلاف الثواب كثرةً و قلّةً حسب اختلاف الاستعداد شدة و ضعفا و إن كان أمراً معقولًا بل له شاهد من الأخبار، إلا أنّ اختلاف التكليف بحسبه غير صحيح، فإنّ الناس أمام التكليف الشرعي سواء. نعم، للنبي الأكرم (ص) وظائف خاصة لا تعمّ غيره، و لعلّها من قبيل وجوب الحجّ على المستطيع دون الفقير، فالتكليف عام للجميع على حدّ واحد، فتبصّر.
و أصل الإشكال الوارد على المقام: أنّ مقتضى تلك الروايات استناد الطاعات و المعاصي إلى الطينة غير المكتسبة للعبد، بل بإبداع من الله تعالى و إيجاده، و هو لا يجامع حسن العقاب و استحقاق الثواب، و هذا القول- إن تمّ- لا يدفع الإشكال المذكور.
السادس: ردّ الأخبار المذكورة إذا لم يمكن تأويلها بحيث توافق الآية الكريمة، و هي قوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، و الضروري من مذهب الإمامية ذكره بعضهم في حواشي «الوافي».
أقول: الأخبار متواترة إجمالًا أو معنى لا يمكن ردّها، بل لا بد من التوقف أو التأويل إلى ما ينافي الضرورة المذهبية، و أمّا الآية الكريمة فليست ناصّة على خلاف الروايات المذكورة، فيمكن الجمع بينهما، و سيأتي بحثه.
السابع: ما اعتمده أكثر الأصحاب و عوّلوا عليه في هذا الباب، كما نقله بعض الفضلاء السادة[١]، و هو: أنّ ذلك منزّل على العلم الإلهي، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح قابلة للخير و الشرّ و قادرة على فعلها، و علم أن بعضها يعود إلى الخير المحض و هو الإيمان، و بعضها يعود إلى الشرّ
[١] - و هو السيد عبدالله شبّر في مصابيح الأنوار/ ١٣.