صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٤٩ - الفصل الرابع في قياس المسألة و عرضها على القواعد العقلية و النقلية و ذكر الأقوال فيها
لا يمكن طرحها و رفضها بتاتاً؛ لأنّها كثيرة.
الرابع: أنّه لمّا كلّف الله تعالى الأرواح أولًا في الذرّ و أخذ ميثاقهم فاختاروا الخير و الشرّ باختيارهم في ذلك الوقت، فتفرّع اختلاف الطينة على ما اختاروا باختيارهم، كما دل عليه بعض الأخبار السابقة، فلا فساد في ذلك.
أقول: و يزيّف أولًا م بما عرفت من الطائفة الأولى الدالة على مدخلية الطينة في إتيان الأفعال دون العكس.
و ثانياً: بأنّا لم نجد ما دل على تقدم عالم الذرّ على موضوع الطينة و اختلافها إلا رواية جابر[١] قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول في هذه الآية: وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً: يعني من جرى فيه شيء من شرك الشيطان على الطريقة، يعني على الولاية في الأصل عند الأظلّة حين أخذ الله ميثاق بني آدم، لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً يعني لكنّا وضعنا أظلّتهم في الماء الفرات، بناءً على دلالتها على أنّ منشأ اختلاف الطينة و الماء هو قبول التكليف و عدمه في عالم الأظلّة.
أقول: مع أنّها ضعيفة سنداً لأجل القاسم بن سليمان، معارضة بجملة روايات أخر دالة على تقدم الطينة على عالم الذرّ[٢].
نعم، لو قلنا: إنّ عالم الأظلّة غير عالم الذرّ فهذه الروايات لا تعارضها، و إنّما تعارضها رواية عبد الله الجعفي و عقبة[٣]، عن أبي جعفر (ع) قال: «إنّ الله خلق الخلق فخلق من أحبّ ممّا أحبّ، و كان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنة، و خلق من أبغض ممّا أبغض و كان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال ... ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الاقرار بالله ...» إلى آخره.
هذا، مضافاً إلى أنّ الاعتبار العقلي أيضاً يقتضي تقدم الطينة على عالم الذرّ، فإنّ خروج ذرية بين آدم- كما في الآية- أو ذرية آدم جميعاً- كما في بعض الروايات- إنّما يعقل إذا كانوا متكوّنين و موجودين، و هذ لا يصح إلا بالطينة، فالآية الكريمة- و هي قوله تعالى: و إذا أخرج ربك ... إلى آخره، و الروايات الواردة حول عالم الذرّ في أنفسها شاهدة على تقدم موضوع
[١] - البحار ٥/ ٢٣٤.
[٢] - لاحظها تحت أرقام- ٣٥- ٥٢- ٥٣- ٥٩، نفس المصدر المتقدم.
[٣] - البحار/ ٢٤٤.