صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٤٨ - الفصل الرابع في قياس المسألة و عرضها على القواعد العقلية و النقلية و ذكر الأقوال فيها
فيها للناس[١]، و ما روي من «أنّ الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام».
الفصل الرابع: في قياس المسألة و عرضها على القواعد العقلية و النقلية و ذكر الأقوال فيها:
نقول: لا شك أن العقل الصريح و النقل الصحيح بل الحسّ و الوجدان تحكم حكماً بتّياً جزمياً يقيناً أنّ الإنسان مختار في حركاته و سكناته، و إرادته مؤثرة في أفعاله و آثاره، و الجبر في حقه من أوضح السفسطات، و عليه فيشكل الأمر في مدلول تلك الروايات المشار إليها، و لذا اختلفت فيها الآراء و تشتّت الأنظار.
و قد ذكر العلامة المجلسي (قدس سره) في «البحار»[٢] و «مرآة العقول» في أوائل مجلدها الثاني بعد اعترافه و تصريحه: بأنّها من متشابهات الأخبار و معضلات الآثار، من أصحابنا وجوهاً في ذلك:
الأول: حملها على التقية لموافقتها لروايات العامة، و لما ذهبت إليه الأشاعرة و هم جلّهم، و لمخالفتها ظاهراً لما مرّ من أخبار الاختيار و الاستطاعة.
أقول: لم يبيّن المراد من روايات العامة، و أنّها ما هي؟ و كيفما كان هذا الوجه بديهي البطلان واضح الفساد؛ إذ روايات الباب صريحة في مذمّة المخالفين، و أنّ خلقتهم و خلقة سلفهم من السجين، فلا يعقل حملها على التقية، و إن توافق مضامينها مذهب المجبّرة من حيث النتيجة، لكنها أين من الحمل على التقية؟! و ما ذكرنا فليكن قطعياً بل ضرورياً.
الثاني: أنّ الأخبار المذكورة كناية عن علمه تعالي بما هم إليه صائرون، فإنّه تعالى لمّا خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنّه خلقهم من طينات مختلفة.
أقول: و هذا القول ربما يلحق بالقول الأول من حيث وضوح الفساد؛ إذ ملاحظة روايات الباب توجب القطع ببطلانه، و أنّه غير مراد من تلك الأخبار.
الثالث: ما ذهب إليه الأخباريون، و هو: أنّا نؤمن بها مجملًا، و نعترف بالجهل عن حقيقة معناها، و أنّها من أيّ جهة صدرت؟ و نردّ علمه إلى الأئمة (عليهم السلام).
أقول: هذا هو المستفاد من بعض الأصوليين المعاصرين، و من المجلسي في بحاره أيضاً. لكنّ صحة هذا الوجه و سقمه مبنيّ على عدم إمكان الجمع بين روايات الباب و القواعد العقلية و النقلية و إمكانه، فعلى الثاني لا يبقى موضوع لهذا القول، و على الأول لابد من اختياره؛ إذ
[١] - الباب التاسع من الجزء الخامس: ٢٢٠.
[٢] - ٥/ ٢٦٠.