صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٤١ - المقالة العاشرة في السعادة والشقاوة و الطينة
حيث يجعل بعض من تحت تصرفة وزيراً قريباً و بعضهم كنّاساً بعيداً[١]؛ لأنّ كلًّا منهما من ضروريات مملكته، و ينسب الظلم إلى الله تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص، مع أنّ كلّا منهما ضروري في مقامه؟! انتهى كلامه.
أقول: صفاته تعالى على قسمين: صفات ذاتية أزلية، و صفات فعلية حادثة.
و الأولى عين ذاته، مصداقاً على ما مرّ بحثه مفصّلًا، و هي- على ما دريت في الجزء الأول- ليست إلا الوجود و العلم و القدرة، و أمّا غيرها فراجعة إليها لا محالة، فهي أصول أوصافه الكمالية. و من الظاهر جداً أنّ نسبتها متساوية إلى جميع الممكنات، فإنّ العلم شأنه الانكشاف، و القدرة شأنها صحة الفعل و الترك، و أما الوجود فحاله واضح.
و إن شئت فقل: إنّ قرب ممكنٍ إلى الواجب المجرد دون ممكن ترجّح بلا مرجّح، و هو محال بلا ريب.
و أما الثانية فهي ممكنة زائدة على ذاته كالإيجاد و الخلق و الرزق و الهداية و الرحمة و الإماتة و الإحسان و اللطف و الغضب و نظائرها. و من المعلوم أنّ الله تعالى لا يتصف و لا يسمّى بمشتقات هذه المبادئ قبل تحققها، فلا يقال: إنّه خالق رحيم لطيف هادٍ مضلّ قبل صدور الخلقة و الرحمة و اللطف و الهداية و الضلالة عنه تعالى التابعة لمناطاتها الواقعية.
و لا بد أن يكون هناك مؤمن ليلطف به و يهديه، و كافر ليضلّه، على ما مرّ تفصيله. نعم، الإيجاد غير موقوف على وجود الموجود، بل الامر بالعكس، و هو واضح.
فانقدح ممّا ذكرنا أنّ أسماءه تعالى لا تصلح لمبدئية الأشياء، و الأشياء لا تكون لوازم أسمائئه و صفاته، فإنّ صفاته الذاتية متساوية إلى جميع الممكنات، و لا يعقل اختصاصها بشيء دون شيء، و صفاته الفعلية غير متحققة أزلًا و قبل تحقق مبادئها الحادثة الموقوف على عللها و أسبابها، فليس أنّه: أحسن و هدى و لطف لكونه لطيفاً هادياً محسناً، و لا أنّه: غضب و قهر و أضلّ لكونه قهّاراً مضلّاً، بل إنّما صار لطيفاً هادياً و قاهراً و مضلّاً لأنّه هدى و أضلّ و قهر و لطف، فافهمه حتى تفهم أنّ الجواب المذكور منهدم الأساس، على أنّ العقاب و العتاب على المعاصي حينئذٍ يكون ظلماً بحتاً، فيخلّ بعدله و حكمته تعالى الله عنه، و ما ذكره من كون ذلك عدل و حكمة واضح الفساد، فلا يليق بالجواب، و أمّا ما نقله من المثال فهو أجنبي عن المقال، كما لا يخفى على أرباب الكمال، و الإنصاف أنّ هذا القول المنسوب إلى الصوفية باطل جداً لا معنى محصّل تحته أصلًا.
[١] - الملك لا يعاقب الكنّاس البعيد أشدّ العذاب، و لو عذابه لكان ظالماً لكن الشقى البعيد يعاقب في النار و قد يخلد فيها، فلا فائدة في هذه الأمثلة الفارغة!