صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٣ - المقالة التاسعة في أن القدر و القضاء لا ينافيان الاختيار
اللزوم كلّياً، فلاحظ.
٤- ما يخطر بالبال من أنّ الرضا يتعلق بالشيء بوصف كونه مقضياً، و من حيث إنّه متعلقٍ للقضاء، و أمّا بلحاظ نفسه فقط فلا ملزم للرضا به، بل قد يكون مرضياً، و قد يكون مبغوضاً و منفوراً إمّا طبعاً و إمّا شرعاً و إمّا طبعاً و شرعاً.
توضيح ذلك: أنّ ما يقال له الشر قسمان:
الأول: ما يوجب سخط الربّ من الكفر و الفسق.
الثاني: ما ينافي طبائعنا و إن كان ذا مصلحة واقعاً.
أمّا القسم الأول فهو ليس من أفعال الله تعالى، بل من سوء اختيار المكلفين و أفعالهم على تفصيل دريته. نعم، إنّ الله تعالى مكّن العبد و أعطاه القدرة و الاختيار ليكفر أو يؤمن، و هذا هو المقتضي، و لا مانع من لزوم الرضا بمثله أصلًا.
و بعبارة واضحة: أنّ الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ: أنّ زيداً يكفر باختياره و إرادته و بقوتي و تمكينى إياه من ذلك، ثم نقول: نحن نرضى بهذه الكتابة و بتمكين الله تعالى المكلف من الكفر و الفسق و الإيمان و الطاعة، و وجه هذا التمكين أيضاً واضح؛ إذ لو لاه لبطل التكليف و التشريع، فإنّ الاضطرار مانع عن الأمر و النهي بالضرورة، و نقبّح ترجيح المأمور الكفر و الفسق، فالمعصية من جهة تمكين العاصي عنها مرضية، و من جهة وجودها بإرادته مستنكرة.
ثم إنّ من الظاهر عدم جريان هذا الوجوب على مسلك الأشعري و من ينجرّ قوله إلى الجبر، فإنّ الكفر صادر بإرادة الله تعالى وحده، و لا تأثير لغيرها، فالمجبّرة في داء عياء لا ينجع فيه دواء أبداً، فافهمه جيداً.
و أما القسم الثاني فأمره ظاهر؛ لأنّ المصائب و البلايا بما أنها مقضية و واصلة من الله تعالى إلى العبد مرضية لا محالة، و بما أنها مصيبة و بلية منفورة، و من هذا القبيل وفاة الأنبياء (عليهم السلام) فإنّها من حيث كونها مقضية مرضية، و من حيث إنّها موجبة لقطع الخيرات منفورة، و قطع الخير المذكور مرضي من حيث إنه مقضي، و منفور من حيث إنّه نقص لنا، و هكذا، و من هنا ظهر أنّ الدعاء و المعالجة و الحيلة لا تنافي الرضا بالقضاء، كما لا يخفى، و قول المحقق الطوسي المحكي في الأسفار: «إنّ الرضا بالكفر من حيث هو قضاء الله طاعة، و لا من هذه الحيثية كفر. إن رجع إلى ما ذكرنا فهو، و إلا فليس بصحيح.
تتمة:
قد ثبت أنّ الرضا المتعلق بكل شيء لا ينافي لزوم استنكار العصيان و حسن التأثر من موت الصلحاء و المؤمنين و تنفر البلايا طبعاً. و الآن نقول: لا شكّ في فضل هذا الرضا و حسنه،