صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣١ - المقالة التاسعة في أن القدر و القضاء لا ينافيان الاختيار
و للباحثين فيه مسالك:
١- أنّ الكفر مقتضّي، لاقضاء؛ لأنّه متعلق القضاء فلا يكون نفس القضاء، فنحن نرضى بالقضاء لا بالمقضيّ، نقله في الأسفار[١] عن الغزالي و غيره كالإمام الرازي،
و قال: و استصوبه جماعة من الصوفية، كصاحب العوارف المولى الرومي، ثم قال: و زيّف هذا الجواب جماعة من البارعين في العلم، منهم المحقق الطوسي في نقد المحصّل، حيث قال: و جوابه بأنّ الكفر ليس نفس القضاء، و إنّما هو المقضيّ ليس بشيء، فإنّ قول القائل: رضيت بقضاء الله، لا يعني به رضاه بصفة من صفات الله، إنّما يريد به رضاه بما يقتضي تلك الصفة، و هو المقضى. انتهى كلامه.
و قال العضدي و الجرجاني[٢]: قلنا: الواجب هو الرضا بالقضاء، لا بالمقضي، و الكفر، مقضي لاقضاء، و الحاصل: أنّ الإنكار المتوجه نحو الكفر إنّما هو بالنظر إلى المحلّية، لا إلى الفاعلية، يعني أنّ للكفر نسبةً إلى الله تعالى باعتباره فاعليته له و إيجاده اياه، و نسبة أخرى إلى العبد باعتبار محلّيته له و اتصافه به، و إنكاره باعتبار النسبة الثانية، و الفرق بينهما ظاهر؛ لأنّه ليس يلزم من وجوب الرضا بشيء باعتبار صدوره عن فاعله وجوب الرضا به باعتبار وقوعه صفة لشيء آخر؛ إذ لو صحّ ذلك لوجب الرضا بموت الأنبيا (ع)، و هو باطل إجماعاً، هذا كلامهما.
و لكنّه لا يرجع إلى معني صحيح، فإنّ القضاء تعلق بوصول الكفر- مثلًا- من الله تعالى إلى العبد، و كون العبد محلّاً له، كما هو قضية عموم تعلقه، و عليه فيعود الإشكال على أنّ السر في لزوم رضا العبد بقضائه تعالى أو حسنه هو تسليم العبد لله تعالى في أفعاله و عدم الاعتراض عليه، و اعتقاد أنّ ما يصل إليه من ربه أصله له، و كل ذلك ناظر إلى جهة المحلّية أيضاً، دون الفاعلية فقط، و هذا هو المستفاد من الأدلة أيضاً، و لعلّ هذا هو مراد المحقق الطوسي في كلامه المتقدم.
ثم إنّ صاحب الأسفار رام إصلاح القول المذكور، و كون الرضا بالقضاء لا يستلزم الرضا بالمقتضي- و هو الكفر- و لم يرتض ما أفاده المحقق الطوسي (قدس سره)، و حيث إنّ ما ذكره غير صحيح- كما يظهر للمتطّلع على أصولنا- تركنا نقله و نقده لئلّا يطول المقام بلا طائل، و الله الهادي.
٢- ما عن شرح الكشّاف من أنّ الرضا بالكفر إنّما يكون كفراً إذا كان مع الاستحسان له، و عدم الاستقباح، بخلاف الرضا به مع استقباحه قصداً إلى زيادة عذابه، كما قال الله تعالى:
[١] - في بعض فصول مبحث إرادة الله تعالى.
[٢] - شرح المواقف ٣/ ١٤١.