صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٠ - المقالة التاسعة في أن القدر و القضاء لا ينافيان الاختيار
و كتب إليه الشعبي: أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «كلّ ما استغفرت الله منه فهو منك، و كلّ ما حمدت الله فهو منه».
فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجاج و وقف عليها قال: أخذوها من عين صافية.
أقول: هذه الكلمات الشريفة كلّها ناظرة إلى أنّ القدر و القضاء لا ينافيان الاختيار، كما أوضحناه لك. و هنا رواية أخرى مشهورة دالة أيضاً على أنّهما لا ينافيان الاختيار، نقلت عن أمير المؤمنين (ع) في جواب رجل سأله عن مسيره إلى صفّين أنه بقضاء من الله و قدره، أم لا؟ تركناها لاشتهارها، فلاحظ.
تذييل حول الرضا بالقضاء:
قال العلامة الحلّي[١] قدّس الله نفسه الزكية: اتفقت الإمامية و المعتزلة و غيرهم من الأشاعرة و جميع طوائف الإسلام على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى و قدره، ثم إنّ الأشاعرة قالوا قولًا لزمهم خرق الإجماع و النصوص الدالة على وجوب الرضا بالقضاء، و هو: أنّ الله تعالى يفعل القبائح بأسرها، و لا مؤثر في الوجود غير الله تعالى ... فتكون القبائح من قضاء الله تعالى على العبد و قدره، و الرضا بالقبيح حرام بالإجماع، فيجب أن لا يرضى بالقبيح، و لو كان من قضاء الله تعالى لزم إبطال إحدى المقدمتين، و هي: إمّا عدم وجوب الرضا بقضائه تعالى و قدره، أو وجوب الرضا بالقبيح، و كلاهما خلاف الإجماع.
أمّا على قول الإمامية من أنّ الله منزّه عن الفعل القبيح و الفواحش، و أنّه لا يفعل إلا ما هو حكمة و عدل و صواب، و لا شك في وجوب الرضا بهذه الأشياء لا جرم كان الرضا بقضائه و قدره على قواعد الإمامية و المعتزلة واجباً، و لا يلزم منه خرق الإجماع في ترك الرضا بقضاء الله، و لا في الرضا بالقبائح. انتهى كلامه رفع مقامه.
قلت: موت الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) و حلول المصاعب و البلايا بهم أيضاً ممّا تعلق به القضاء، مع أنّ الرضا به غير حسن؛ لأنّه مستلزم لانقطاع الخيرات و انفتاح السيئات، بل ربّما يكون فسقاً أو كفراً، و كذا الشرور النازلة بالإنسان من الأمراض و الفقر و موت الأحبّة و نحوها أيضاً من أفعاله تعالى و مقضيّ بها، مع أنّ الإنسان بطبعه متنفّر منها و لا يرضى بها أصلا، فكيف يعقل إيجاب الرضا بها عليه؟! بل ورد فيه الشرع أيضاً الأمر بإزالتها بالتداوي و الكسب و الدعاء و نحوها، فالإشكال لا يختصّ بالمجبّرة، بل يعمّ غيرها أيضاً. نعم، وروده عليهم أقوى.
و بالجملة: لا بد للجمع بين الرضا بالقضاء و هذه الأمور من حيلة يدفع بها التنافي،
[١] - إحقاق الحقّ ١/ ٤٥٦.